أنا آسف؛ كسرت قلبك

أنا آسف؛ كسرت قلبك

لقد خلق الله الإنسان من طينٍ لازبٍ ونفخةٍ من روح، ومن هذا المزيج تشكَّلت الطبائع وتلوَّنت الأرواح. فالبشر كالنبات؛ يُزرع في تربةٍ واحدة، ويُسقى من ماءٍ واحد، ثم يخرج مختلفًا، يُفضَّل بعضه على بعض.

والحديث عن طبائع البشر يشبه خوض غمار بحرٍ لُجّي؛ تارةً تراه هادئًا كزرقة السماء، وتارةً يضطرب بأمواجٍ لا قرار لها. ولا شيء يكشف حقيقة الطباع مثل الحزن، والمصائب، والغضب. فالناس يتفاوتون في ردود أفعالهم؛ فمنهم من يبكي حتى ينضب دمعه، ومنهم من يصرخ حتى يوشك أن ينفجر.

غير أنني أرى أخطر صور التنفيس تلك الطبيعة البركانية الكامنة في بعض النفوس التي لم تتعلم كيف تهذِّب نيرانها، فتطلق حممها لتحرق الأخضر واليابس في لحظة عمى شعوري، ثم لا تلبث أن تفيق لتبكي فوق الرماد الذي خلَّفته بيديها.

هذا النوع من الناس، حين يغضب، لا يتحدث بلسان الحب، ولا حتى بلسان الصدق، بل بلسان الأنا الجريحة التي تريد أن تُحدث في الآخر ألمًا يوازي ـ أو يفوق ـ الألم الذي تشعر به هي.

فتسمع أحد الوالدين يقول لطفله: «كان إنجابك خطأً دمَّر حياتنا السعيدة»، أو زوجًا يقول لزوجته: «لم تكوني يومًا جميلةً في عينيَّ»، أو زوجةً تتعمد أن تقول لزوجها: «لست رجلًا، ولم تكن يومًا كذلك، ولن تكون»، أو ابنًا يصرخ في وجه والديه: «ما ذقت معكم سعادةً قط»

فتولد من هذه الكلمات جراحٌ تسهر في أجفان من استقرت في صدورهم. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل كانت تلك الكلمات حقيقةً أخرجها الغضب إلى العلن؟ أم فريةً اختلقها الحنق؟ هل قيلت بقصد إلحاق أكبر قدرٍ ممكنٍ من الأذى بالطرف الآخر، تنفيسًا عن النفس أو انتقامًا لها؟ أم أنها بالفعل ما كان يختبئ في أعماق القلوب؟

ثم تهدأ ثورة الغضب، ويدرك أصحاب تلك الكلمات حجم الخراب الذي خلَّفوه وراءهم، فيعتذرون، ويبكون، ويحاولون إصلاح ما أفسدوه بشتى الوسائل.

وقد نصحتني أمي ذات يوم قائلة: «عند الغضب، لا تحرقي كل الجسور.» لم أكن أفهم يومها تمامًا ما تقصده، أما الآن فأدرك عمق حكمتها. فقد تعود المياه إلى مجاريها، وقد ينضج الإنسان ويكتشف أن الأمر لم يكن يستحق كل ذلك، فيحاول إصلاح العلاقة، لكنه يتفاجأ بأنه لم يعد هناك طريقٌ للعودة.
والأصعب من ذلك أن تكون العلاقة أقرب وأعمق من أن تُقطع أصلًا، فتتحول الكلمات التي قيلت فيها إلى جرحٍ لا يندمل بمجرد الاعتذار، ولا تمحوه محاولات الترضية مهما بلغت.

فالكلمات الجارحة ليست حروفًا عابرة، بل معاول هدمٍ تضرب في أساس الثقة والأمان. والنفس البشرية تشبه مرآةً صقيلة؛ الكلمة الطيبة تزيدها صفاءً، والكلمة القاسية تُحدث فيها شرخًا. قد يحاول المخطئ أن يلصق ذلك الشرخ باعتذاراته ودموعه وهداياه، وقد تعود المرآة لتعكس الصورة من جديد، لكن أثر الكسر يبقى ظاهرًا لمن يعرف موضعه.

أولئك القساة في ساعة الغضب، النادمون في ساعة الصفاء، يظنون أن الندم يمحو الأثر، وهذا جهلٌ بطبيعة الذاكرة القلبية؛ فالقلب لا ينسى نبرة الصوت حين قيلت له كلمة “أكرهك”، ولا ينسى نظرة العين حين قيل له: «وجودك خطأ.»

إن الاستمرار في هذه الدائرة ـ جرحٌ ثم ندم، ثم عودة، ثم جرحٌ جديد ـ يحوِّل العلاقة إلى جسدٍ أنهكته الندوب. ومع الزمن قد يصل الإنسان إلى مرحلة الموت الشعوري، حيث لا يعود للاعتذار وقعه، ولا للعودة طعمها.

قد تُرمَّم الجدران من جديد، لكن الساكن فيها يظل يتذكر لحظة انهيارها، ويظل يرقب السماء كلما تجمعت الغيوم، خشية أن تعود العاصفة مرةً أخرى.

فكيف يُرمَّم ما كُسر في القلب؟ وكيف تُستعاد الطمأنينة بعدما تحوَّلت الكلمات إلى شقوقٍ في جدار الأمان؟ تلك هي المعضلة التي لا يملك الندم وحده دائمًا حلَّها.

للمزيد:
تعامل النبي ﷺ مع أقاربه

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة