حكايات تنبت أثراً
ليس أعجب ما في الإنسان أنه يمشي على الأرض، بل أنه يحمل في داخله آثار أماكن لم يعد يذكرها.
نحن نظن أن أعمارنا تبدأ يوم نُسجَّل في دفاتر المواليد، وأن الحكاية تبدأ مع أول صرخة، لكن الإنسان أقدم من صوته، وأعمق من اسمه، وأبعد من تاريخ ميلاده. إن بداياته الأولى تُكتب في زمنٍ لا يملك فيه لسانًا ليتكلم، ولا يدًا ليختار، ولا عقلًا ليفهم. ومع ذلك، هناك شيء ما كان يُكتب في داخله… بصمت.
لعل أعظم أسرار الحياة أن الله لم يجعل بداية الإنسان في مدرسة، ولا في شارع، ولا في كتاب، بل في رحم أم.
وكأن الرسالة الأولى التي أرادها الخالق لهذا العالم أن كل مشروعٍ لصناعة الإنسان يجب أن يبدأ من هناك؛ من قلب امرأة، قبل أن يبدأ من عقل معلم، أو قانون دولة، أو مناهج جامعة.
إن الرحم ليس مجرد موطنٍ للجسد، بل أول وطنٍ يسكنه الإنسان، وأول عالمٍ يعبره، وأول لغةٍ يتذوقها دون كلمات. هناك يبدأ الإحساس بالأمان أو بالاضطراب، وتبدأ الأم -من حيث تشعر أو لا تشعر- بكتابة السطر الأول في قصة إنسان لن يعيش لنفسه وحده، بل سيترك أثره في بيت، أو مجتمع، أو أمة، وربما في التاريخ كله.
ولذلك، كلما تأملت الحضارات، وجدت أن السؤال لم يكن يومًا: كيف بُنيت المدن؟ بل: من الذي ربّى الإنسان الذي بناها؟
فلا حضارة تُولد من المصانع قبل أن تُولد في البيوت، ولا تنهار الأمم أولًا في ساحات الحروب، بل قد يبدأ انهيارها يوم يضيع طفلٌ بين قسوةٍ تُميت قلبه، أو تدليلٍ يُميت مسؤوليته.
لقد انشغل العالم طويلًا بإصلاح الأنظمة، وإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير التعليم، بينما كانت البذرة الأولى لكل ذلك تكبر بصمت في حضن أم. فإذا صلح الإنسان، استطاع أن يصلح ما حوله، وإذا تصدع من الداخل، فلن تنقذه كثرة القوانين.
ومن هنا بدأت أسئلتي…
لم أسأل: كيف أجعل أطفالي أكثر طاعة؟
بل سألت: كيف أربي إنسانًا يبقى صالحًا حين يغيب الرقيب؟ كيف أزرع ضميرًا لا يحتاج إلى عينٍ تراقبه؟ وكيف أصنع قلبًا يعرف الخير لأنه أحبه، لا لأنه خاف العقاب؟
وهنا بدأت رحلتي الحقيقية.

لم أكن تلك الأم التي عرفت الطريق منذ خطوتها الأولى، ولم أكتب هذه الصفحات من قمة النجاح، بل من منتصف الطريق، حيث تتعثر الأقدام، ويكثر السؤال، ويصبح الاعتراف بالخطأ أشجع من الادعاء بالكمال.
لقد أخطأت كما تخطئ كل أم تبحث عن الخير لأبنائها. كنت أظن أن التربية تعني أن أُكثر من التصحيح، ثم اكتشفت أن الطفل يحتاج إلى من يفهمه قبل أن يصححه. وكنت أظن أن النجاح هو أن يسمع الطفل كلمتي، ثم أدركت أن النجاح الحقيقي هو أن يسمع صوته الداخلي حين أكبر ويغيب صوتي.
ولم تكن أخطائي شخصيةً خالصة، بل كانت جزءًا من ميراثٍ تربوي طويل. ميراثٍ حفظ للأسر كثيرًا من القيم، لكنه في بعض الأحيان جعل الطاعة غايةً، بينما كانت وسيلةً، وجعل الخوف أداةً، بينما كان الحب أصلًا.
ثم جاءت أفكار التربية الحديثة، تحمل معها فهمًا أعمق للطفل، واحترامًا لمشاعره، وإدراكًا لاحتياجاته. لكنها هي الأخرى ليست معصومة من الخطأ؛ فالعلم إذا انفصل عن الحكمة، قد يصنع جيلًا يعرف حقوقه أكثر مما يعرف واجباته، ويطالب بالحرية قبل أن يتعلم المسؤولية.
لهذا، لم أجد نفسي في معسكرٍ يحارب الماضي، ولا في آخر يرفض الحاضر.
وجدت نفسي أبحث عن الإنسان.
عن ذلك الطفل الذي يستحق أن يكبر وهو يحمل قلبًا رحيمًا، وعقلًا مفكرًا، ونفسًا متوازنة، وإيمانًا يعصمه إذا غابت عنه كل الأسوار.
وهذا ليس محاولةً لتربية الأطفال وحدهم، بل محاولة لإعادة تربية الأسئلة التي نسألها عن الإنسان.
فربما كانت أعظم الأخطاء ليست تلك التي ارتكبناها مع أطفالنا… بل تلك التي ورثناها دون أن نتوقف يومًا لنسأل: هل كانت حقًا هي الطريق؟
ومن هنا جاءت الحكاية.
لا من أم تدّعي أنها وصلت، ولا من طفل يُطلب منه أن يكون مثاليًا، بل من إنسانين يتعلمان معًا كيف يكبران…
أم تعيد اكتشاف معنى التربية،
وطفل يتعلم كيف يصبح إنسانًا.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
للمزيد:
حين يغيب الآباء والأمهات عن ثغور التربية!
مسؤولية الأم في تربية الأسرة المسلمة










