تقولُ الدكتورة ليلى حمدان: “الحجاب ليس قضية حُريّة واختيار، بل هو فريضة وواجب، وما دامتْ المرأة تخرُج للشارع فهي تحمل مسؤولية الوفاء لحقوق الشارع؛ لأنّه حق مشترك!“
وانطلاقًا مِن ذلك أقول: إنّ الحِجاب الشّرعي في ديننا وشريعتنا، ليس حُريّة شخصية أو اختيار لما قد يُناسبنا وما لا يناسبنا؛ بل هو فرض عين على كل مُسلمة تؤمن بالله ورسوله، فرض عليها أن تلتزم به. وهو نقطة فاصِلة للتمييز بين الأَمة المُباحة، والعفيفة الحُرّة الطاهرة الشّريفة. وعلى المرأة في ديننا الإسلامي أنْ تُحدّد موقفها، إمّا أن تكون مِن الحرائِر، أو مِن الإماء.
ولا يقتصر قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ ذلِكَ أَدنى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ﴾
على زوجات النبي كما هو ظنّ الأغلبية، فما ظنهم إلا حُجَج واهية، حيثُ فسّروا الآية حسب ما تقتضيه أهواءهم وما يوافق نزواتهم. وقد قال ﷻ: ﴿وَنِساءِ المُؤمِنينَ﴾، وفي هذا عموم، وأمرٌ قد نزل مِن فوق سبع سماوات على كُل امرأة مُسلمة أن تلتزم به. وشرع الله لا يُبدّل ولا يُستبدَل، ويجب أن يُطبّق، ﴿وَاستَقِم كَما أُمِرتَ﴾ لا كما رغبت.
ثُمَّ إِن تفسير هذه الآية على ضوءِ ما فهمتُه منها، وكما جاء في المُختصر تفسيرًا فيما معناهُ أنّ الله سُبحانه وتعالى كان قد أمر النبي المصطفى ﷺ أنْ يأمر نساءهُ وبناتهُ ونساء المؤمنين جميعًا أن يُدنين عليهنّ من جلابيبهنّ؛ وذلك لأنهنَّ حرائر، ولتمييزهن عن الإماء فلا يتعرّض لهنّ أحد بسوءٍ أو بضرر. فقد كانت الأَمَة فيما سلف تتزيّن بالحُلي وتلبسُ أفخر الثياب وتُظهر بعضًا من أجزاء جسدها؛ لتلفِتَ الأنظار ويطمعُ بها الطامعون؛ فتُباع في سوقِ الرِق بأبخس الأثمان، ولو بدا لهم ذلك الثمن باهظًا؛ إلّا أنها تبقى أَمة رخيصة.
فأتى الإسلام ليُميّز المرأة الحُرّة الحورية الدُرّة، والعفيفة الطاهرة المُصانة عن غيرها بأن شرع لها أن تستُر سائر جسدها بلباسٍ ساتر يحول بينها وبين الوقوع في الفتنة والأذى، حيثُ أمرها بأنْ تُغطّي شعرها ووجهها ونحرها وسائر بدنها بالخِمار الشرعي الذي شرعهُ الله ورضيَ به نبيّه الكريم، وصار رمزًا من رموز عِفة المرأة المُسلمة وطهارتها وحُسن أخلاقها وصفاتها السامية وسيرتها العطرة التي ترفع من قدرها ومكانتها ومنزلتها أمام كل المخلوقين من الرجال والنساء حين تُرضي الله لهُ الفضل والمنّة.
أما بخصوص جدل الأكثرية بما يخص الحِجاب -ومع الأسف، أكثر من يُجادلن في ذلك هن النّساء!- والأمر والحُكم في الآية واضح للعيان، وأنّه لعامّةِ نِساء المؤمنين وبناتهم، ولا يقتصر على نساء النبي ﷺ فحسب، كما أوَّلوه وفسّروه.
ومَن يرجع لشرح هذه الآية الكريمة في تفسير القرآن العظيم لابن كثير -رحمه الله-؛ لوجدهُ قد فصّل في تفسيرها تفصيلًا دقيقًا. ففي قولهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، أي: إذا فعلن ذلك -ويقصدُ الحِجاب- “عُرفن أنهنَّ حرائِر، لسنَ بإماء ولا عواهر“، ولو لم يفعلن ذلك لهو واضح أنّهن مِن الإماء! فالحُرّة حاشاها أن تُظهر زينتها لغير محارمها.
وقال السدي في تفسير الآية:
(كان ناس من فُسّاق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلطُ الظلام إلى طُرق المدينة يتعرّضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيّقة، فإذا كان الليل، خرج النّساء إلى الطُرق يقضين حاجتهنَّ، فكان أولئك الفُساق يبتغون ذلك منهنَّ، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حُرّة فكفُّوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أَمة. فوثبوا عليها).
وقال مُجاهد في ذلك:
(يتجلببن، فيعلم أنهنَّ حرائر، فلا يتعرّض لهنّ فاسِق بأذى ولا ريبة).
وإنّي بعد هذه الآية لأعجب أيّما عجب مِمَن تقول أن الحجاب حُريّة شخصية! بعيدًا كل البعد عن تفسريها، وما سطّره المُفسرين والفُقهاء وعلماء الدين من كُتب وأحكام الحجاب المرأة المُسلمة -ولو نظرنا، لوجدنا أنّ أكثر ما شغل عُلماء الدين هي أحكام النّساء!-؛ فإنّي لأستغرب كيف أنّ الحُكم والأمر واضح فيها، وهناك من تُماري وتُجادِل، وتتخذ من الحِجاب مجرد وسيلة للزينة، أو “حُرية شخصية” على حد قولها! والله يا غالية ما هو بحُرية شخصية ولن يكون، هو فرض عين على كل امرأة مُسلمة، شئتِ أم أبيتِ، فإمّا أن تلتزمي؛ وإلا فأنتِ لستِ منا، ولا تُمثلين ديننا وبناتنا! أمّا جدالكِ بما ليس لكِ به علم، وما لم تُحيطي به خُبرًا، فهذا منكِ ليس إلّا تكبّرًا وعصيانًا، ولن يزيدكِ ذلك إلا غرورًا وضلالًا.
فاتقي الله أَمة الله، وانظري أين موقعكِ من هذا الدين، وليكُن لكِ ثغركِ الذي تذودين عن الدين منه. لا سيما ونحنُ في زمنٍ “القابِض فيه على دينه كالقابِض على الجمر“، وقد تكالبت فيه علينا المِحن، وكثُرت الابتلاءات، ورشقتنا الفتن فيه من كل جانب، وما أحوجنا فيه لديننا وإسلامنا.
ما أحوجنا لأن نستمسِك بالعُروة الوثقى، وأن نتشبّث بديننا تشبُث الغريق بوسيلة نجاته الوحيدة، بالذات ونحنُ في زمن غربة الدين، ونحنُ فيه غرباء، وعزاؤنا الوحيد قول الحبيب ﷺ: “بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغُرباء“. وطوبى لكل امرأة امتثلتْ لأمر ربّها، ولزمتْ حجابها وبيتها وثغرها. طوبى لحُماة الثغور الذين يدفعون في سبيل إعلاء كلمة الله دماءهم باستماتة.
ثُمَّ إن الحجاب رمزٌ لعفّتكِ وطهارتكِ وجمالكِ ونقائكِ، ولأضرب لكِ مثالًا على ذلك، سأحكي لكِ قصةً مُعبّرة، لأُقرِّب لكِ مفهوم أهميه لبس الحجاب:
سأل أحدهم امرأة تقربه، قائلًا: لماذا المرأة المُسلمة تتحجّب؟ فأخذتْ قطعة حلوى مُغلّفة، ونزعتْ عنها غلافها حتى عركتها بكفّها فاتسختْ، ثمّ أخذتْ قطعةً أخرى مُغلّفة، وأبقتها على حالها، بعدها سألته: لو خيّرتكَ بينهما، فأيُّها تختار؟ أجابها: لا ريب المُغلّفة. سألته: ولِمَا؟ فقال: لأنّها مُغلّفة، لم تتلوّث، ولم تتّسخ، وهي نظيفة على عكس الأخرى. فقالت: وتلك إجابتي على سؤالكَ. المرأة المُسلمة تتحجّب لتبقى كذلك: طاهرة نقيّة، وليست ملوّثة ولا متسخة؛ لأنّها ليست عرضةً لكل مَن هبّ ودب!
وقصة أخرى: فتاة كان والدها قد عزمها على العشاء، متفقًا مع النادل أن يضع أمامها أشهى وألذ الأصناف وأطيبها. وعندما جاء النادل وهو يحمل أطيب وأشهي وألذ المأكولات، جاء بطبق آخر عليه غطاء. نظرتْ الابنة إلى الأطباق التي أمامها، وهي تريد أن تفتح الطبق الآخر المُغطّى؛ لكن والدها أوقفها لحظة، وقال لها: أمامكِ أجمل وأشهى الأطباق، فلماذا تريدين أن تفتحي الطبق المُغطى؟ أجابته بالمقابل: ما دام وأنه مغطّى، فلا بُد أنّ الذي به أجمل بكثير؛ لأنه تميز عن غيره. ابتسم والدها، وقال: أعرفتِ لماذا غطيتكِ بالحجاب؟ خفضتْ الابنة بصرها، وقد فهمت قصده.
ببساطة، “الحجاب لا يعني التعقيد، فهو باختصار: إخفاء ما يستحقُ أن يُخفى، ليراهُ مَن يستحقُ رؤيته“.
وما أجمَل ما قالهُ الرافعي -رحمهُ الله- في ذلك:
(فليس الحجابُ إلا كالرمزِ لما وراءه من أخلاقِه ومعانيهِ وروحِه الدينيَّةِ المعبديَّة، وهو كالصَّدَفَةِ لا تحجبُ اللؤلؤةُ ولكن تُرَبِّيها في الحجابِ تربيةً لؤلؤيَّة؛ فوراء الحجابِ الشرعيِّ الصحيحِ معاني التوازُنِ والاستقرارِ والهدوءِ والاطِّراد، وأخلاقُ هذه المعاني وروحُها الدينيُّ القويّ، الذي يُنشِئُ عجيبةَ الأخلاقِ الإنسانيَّةِ كُلِّها؛ أي: صبرَ المرأةِ وإيثارَها. وعلى هذين تقومُ قوّةُ المُدافعة، وهذه القوةُ هي تمامُ الأخلاقِ الأدبيَّةِ كُلِّها، وهي سرُّ المرأةِ الكاملة؛ فلن تجِدَ الأخلاقَ على أتَمِّها وأحسنِها وأقواها إلا في المرأةِ ذاتِ الدينِ والصبرِ والمُدافعَة، إنها فيها تُشبِهُ أخلاقَ نبيٍّ من الأنبياء. فهي تحت الحِجاب؛ لأنه رَمزُ الأمانةِ لمُستقبلِها، ورَمزُ الفصلِ بين ما يَحسُنُ وما لا يَحسُن، ولأنَّ وراءَه صَفاءَ روحِها الذي تخشى أن يُكَدَّر، وثباتَ كيانِها الذي تخشى أن يُزعزَع).
والمرأة في حجابها، كاللؤلؤة المصونة داخل الصدفة.
أُخيّتي، صدقيني، إن الذين أوهموكِ بأنّ الحجاب “حُرية شخصية” ويُصفّقون لكِ، هم أنفُسهم الذين بودّهم لو ينالوا منكِ وينهشوا لحمكِ، فهم لا يرونكِ إلا مُجرد سلعة رخيصة تمشي على الأرض بقدمين، صورة عارية تُمتّع أبصارهم، وليتَ بثمنٍ بخس؛ بل مجانًا!
وقد شهد شاهد منهم حيث قال: (إن الرَجُل الحُر ليرفُض الزواج من غير تلك الحورية المقصورة الحيية، اللؤلؤة المكنونة في بيتها، التي تخاف ﷲ في عرضه وبيته وأولاده، تلك التي تترفّع عن الحديث مع غير محارمها، غضيضة الطرف، مُسدلة الخمار؛ فاكففنَ أيتها النسوة الكاسيات العاريات، فواللّٰه ما نراكنَ إلا بضاعة رخيصة مُلقاة على أرصفة الشوارع، عرضة لكل مارّ، ومُتعة نظر لكل سفيه).
فما قولكِ بعد هذه الشهادة أُخيّتي؟ أقولًا غير هذا تريدين لتعرفي قيمتكِ عند الرجال، وكيف ينظرون لكِ؟ اتقي الله في نفسكِ أُخيّتي، والزمي ثغركِ واسدلي جلبابكِِ، ولا تكوني سببًا في وقوع الفتنة بين عامّة المُسلمين بحريّتكِ الشخصية التي تدعينها!
وأختم بقول الدكتورة ليلى حمدان: (الحجاب أيتها المُسلمة، هويتكِ، ودعوتكِ، وجهادكِ، وميدان مراغمة مهيب يرفعكِ لمرتبة الأميرة والبطلة)! فالزميه، وكوني حُرّة يا دُرّة.










