قالت العرب قديمًا: (من لم يعشَق الخَيل، ويتذوّق الشِّعر، ففي عُروبته نظَر!)، وقولهم ذاك ليس مُجرد حكم عابر، بل هو إشارة عميقة إلى جذرِ الروح العربية الأصيلة، والتي تماهت وتشكَّلت على مرِّ العصور بهذينِ الركنينِ الأصيلين.
فالخيل بالنسبة لهم، لم تكن يومًا مجردَ وسيلةٍ للتنقلِ أو أداةٍ للحرب، بل كانت رفيقةَ الدرب، وصديقةَ الصحراء، وشريكةَ الفارِس المغوار في أمجادهِ وبطولاتِه. يقول شاعرٌ فيها:
"وَما الخَيلُ إِلّا كَالصَديقِ قَليلَةٌ
وَإِن كَثُرَت في عَينِ مَن لا يُجَرِّبُ"
وكانوا يعدّونها رمزًا للحريةِ والإباءِ والشموخ.
وقد أقسم الله بها في قوله ﷻ: ﴿وَالعادِياتِ ضَبحًا فَالمورِياتِ قَدحًا فَالمُغيراتِ صُبحًا﴾؛ وذلك لمكانتها حين كانت تُغير في سبيل الله.
فقال شاعرٌ آخر:
"أَما وَوُجوهِ الخَيلِ وَهيَ سَواهِمٌ
تُهَلهِلُ نَقعًا في وُجوهِ الكَتائِبِ"
ومهما تقدّم الزمن، وتطورتْ وسائل الحياة؛ تظلُّ الخَيل في وجدانِ العربيِّ تُحاكي عزّتَهُ وكرامتَه. فهي تعكس قوةَ الارتباط بالأرضِ والتقاليدِ العريقة، وشغَف الانطلاق في فضاءاتٍ لا تعرفُ الحدود. فكيف لمن يزعمُ الانتماء لهذهِ الروح العربيّة أن يغفلَ عن قيمةِ هذا المخلوق النبيل، والذي جرى ذكرهُ في أسمى أبيات الشِّعر وأروع البطولات العربية؟
وقيل أنّ العرب قديمًا كانوا إذا ما اختلط عليهم الخَيل الأصيل بغيرها، جمعوها في صعيدٍ واحد، ثُمَّ يقومون بإهانتها وضربها وتعطيشها، حتى إذا عرضوا عليها الماء، وجدوا أنَّ الأصيل يأبى أن يشرب بعدما ضُرب وأُهين، ويمتنع بالرغم من جوعه وعطشه. وأما الهجين الذي لا أصل له، فيأكل ويشرب ولا يُبالي!
يقول شاعرٌ في ذلك:
"صَريحُ الخَيلِ وَالأَبطالِ أَغنى
عَنِ الهُجُناتِ وَالخِلطِ المَشوبِ"
أما الشِّعر، فهو ديوانُ العرب، ولسانُ حالِهم، ومرآةُ تاريخِهم. ولم يكن مجرد كلماتٍ تُرتَّبُ على قافيةٍ، بل كانَ سجّلًا حافلًا للمآثرِ، ومُوَثِّقًا للأحداثِ، ومُعَبِّرًا عن أعمقِ المشاعرِ الإنسانيةِ. ففيهِ يتجلى البيانُ وسحرُ اللغةِ، كما جاء في حديثه ﷺ: «إنَّ من الشِّعرِ حكمةً وإنَّ من البيانِ لسحرًا وإنَّ من القولِ عيالًا».
وفيهِ تُروى قصصُ الحبِّ والفروسية، والفخر والهجاء، والحكمةِ والفلسفة. والشِّعرُ هو الذي حفظَ لنا لهجةَ الأجداد، وصور حياتهم، وشكل تفكيرهم. وهو روحُ الضّادِ النابضةُ، ووعاءُ الفكرِ العربيِّ المتدفق. فكيف لمن يدَّعي الانتماءَ لهذهِ الأمة أن يزهدَ في هذا النبع الصافي الذي روى عطشَ الأجيال من الأدبِ والحكمةِ والجمال؟
ثُم أنّ قضية تعاطي الشِّعر مسألة وجود، وعنصر أساسي في تشكيل الهويّة العربيّة، حتّى قيل أنهُ كان بالنسبة للعرب في العُصور الأولى حاجةً أساسية تُضاهي حاجتهم إلى المأكلِ والمشرَب! فهو نزعة غائرة في وجدان الإنسان العربي، دُرج عليها الصغير، وشبّ على حبّها الكبير، وتوارثها النّاس جيلًا بعد جيلٍ، حتى جاء في الأثر: «لن تدع العَرب الشِّعر حتّى تدع الإبل الحنين».
وأمّا عن سبب تعلّق العرب بقول الشِّعر وانسيابهِ على ألسنتهم، فيقول ابن رشيق: (كان الكلام كله منثورًا، فاحتاجت العرب إلى الغناءِ بمكارمِ أخلاقها، وطيب أعراقها، وذِكر أيامها الصالِحة، وأوطانها النازِحة، وفرسانها الأمجاد، وسمحائها الأجواد، لتهزّ أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيَم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تمّ لهم وزنه سمّوه شعرًا، لأنّهم شعروا به، أي: فطنوا).
إنَّ عدم عشق هذين العنصرين: الخَيل والشِّعر، قد يشيرُ بالفعل إلى انفصالٍ ما عن جوهر الهويةِ العربية التي تشكَّلت عبر قرونٍ من التلاحمِ مع الصحراءِ والفروسية، ومن التغني بالبطولةِ والشجاعة. فهما ليسا مجرد هواياتٍ أو اهتماماتٍ جانبية، بل هما أعمدةٌ أساسيةٌ في بناءِ هذهِ الروح العربيّة وتشكيلها.
وهكذا، يظلّ عشق الخيل وتذوّق الشِّعر حجر الزاوية في بناء الشخصية العربية وتجلّياتها على مرِّ العصور. ففي كل صهوة جواد أصيل، وفي كل بيت شعر بليغ، تتجسد قيم الفروسية والكرامة والبيان التي لطالما ميّزت هذه الأمة.
وهي ليست مجرد بقايا من ماضٍ تليد، بل هي ينابيع مُتجددة تغذّي الروح وتصقل الوجدان، لتؤكد أن الارتباط بهذين العنصرين ليس رفاهية، بل ضرورة لاستمرار الوهج العربي، وتأكيدًا لأصالة لا تقبل الشك، وأن من يزهد فيهما، إنما يزهد في جزءٍ لا يتجزأ من ذاته. وهو حفاظ على جوهر عروبتنا الضاربة في أعماق التاريخ.










