(قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) [المائدة ٢٢]. مٍن موانعِ التوكل على ﷲ، والعملُ بما أمر، الإنصاتُ للمُرجفين، والاستسّلامُ للمُرجفين، فقد خافَ قوم موسى -عليه السلام- وامتنعوا عن تنفيذِ أمر نبيّهم بمجردِ سماعِهم خبرًا مفادَهُ أنْ أهلَ القرية قومٌ عتاةٌ، جبارون، من غير تثبّت ولا معاينة.
وما سمعوه عن أهِل القرية مِنَ المُبالغات في قوتِهم، لم يكُن في جوهرهِ إلا تكتيكًا حربيّاً قديماً؛ فالمرجفون لا ينقلونَ الخبر المجرَّد، بل يعمدونَ إلى تضّخيم الحقيقة; لبثِ الرُّعب فِي القلوبِ، ولكسرِ المعنويات في النفوسِ، وهو ما يُعبَّر عنه بقولهم: «خذوهم بالصوت لا يغلبوكم».
فالإرجاف لا يشترط كذب المعلومة دائماً، بل قد تُستخدم الحقيقة كأداة تثبيط إذا فُصلت عن مَعية ﷲ; ليظهر العدو في صورةِ القوة المُطلقة الَّتي لا تُقهر، ويغيب عن الأذهان أنَّ القوةَ للهِ جميعاً.
المؤمن ذكيٌّ لبيب، يفهم ما يَرِد إليه من أخبار العدو، فيزنها بميزانِ الحكمة، ويُحسِنُ تفسيرَها، يأخذ بالأسبابِ مستعينًا بالله، ليتبينَ له صدقُ الخبرِ من كذبه، دون تهوّرٍ ولا استسّلام، فلا ينقادُ لمجردِ الأخبار، لعلمهِ أن كثيرًا منها غير صحيح، أو يُراد بها تثبيطهُ عن طاعةِ ﷲ وردّه على عقبيِه.
ولهذا قال رجلان صالحان من قوم -موسى-، ممّن يخافون -الله تعالى-، لقومهم مشجّعين ومرغّبين في طاعة الله ورسوله -عليه السلام-: (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة ٢٣]
فأجابوا قائلين: (قالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة ٢٤]
فكانت عاقبة صدودهم وعصيانهم أمر الله: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [المائدة ٢٦]
ومن خلال هذه الآيات تتجلّى لطائفٌ عظيمة، منها:
- الخوفُ الطبيعي لا يُذم، وإنما المذمومُ تعطيلُ الطاعةِ بسببِه
قوم موسى -عليه السلام- لم يُذمّوا لمجردِ خوفهم، وإنَّما ذُمّوا لأنَّ خوفِهم حملهم على مُخالفةِ أمر النَّبي وتركُ ما أوجب الله، فدلّ ذلك على أن الخوفَ إذا جاوزَ حدّه وأفضى إلى ترك الواجب صارَ جبنًا مذمومًا. - سوءُ الظن بالله مٍن أعظمِ موانعَ التوكل
قولهم: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.
لم يكُنْ مُجرد إخبار، بل تضمّن سوء ظن بوعدِ الله، وكأنَّهم نظروا إلى قوةِ العدو، وغفلوا عن قوة الرَّب جلّ وعلا. - التوكل عملٌ قلبي لا ينافِي الأخذ بالأسباب
قول الرَّجلين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ توجيهٌ للأخذ بالسبب.
ثم قالا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا ﴾ فجمعا بين السببِ المشروع والتوكل الصَّادق، وهذا هو منهجُ أهل السّنة. - خطر الإرجاف على القلوبِ قبل الأبدان، الإرجاف لا يُسقط الجيوش ابتداءً، بل يُسقط القلوب، فإذا انهزمَت القلوب انهزمَت الأبدان تبعًا، ولذلكَ كان المرجفون أخطر من العدو الظاهر.
- الأخبارُ سلاح، وليسَت كُلُّ معلومةٍ حقيقة، في الآيات تنبيه إلى أنْ تلقِ الأخبار دون تثبّت قد يكون سببًا في الفشل والخذلان، وأن المؤمن لا يُسلّم أذنه لكل ما يسمع.
- قلَّة العددِ لا تعني قلّةُ الأثر
رجلان فقط ثبتا، لكن ﷲ خلّد قولهما في القرآن، دلالة على أن العبرة بالثباتِ لا بالكثرة، وبالصّدق لا بالعدد. - الحكمة في خطاب المثبِّطين
الرجلان لم يوبّخا قومهما، ولم يشتدّا عليهم، بل خاطباهم بخطاب عملي واقعي:
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾
ثم ذكّراهم بالنتيجة:
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾
ثم ربطا الأمر بالإيمان:
﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
وهذا غاية الحكمة في الدعوة. - ربط الأعمال بالإيمان أصلٌ سلفيٌّ عظيم
لم يقولا: «إن كنتم شجعانًا أو إن كنتم أقوياء».
بل قالا: ﴿إِن كُنتُم مُّؤمِنِینَ﴾
فدلّ على أن حقيقة التوكل والإيمان تظهر عند الشدائد، لا عند الرخاء.
- التَّمكين مشروط بالطَّاعة لا بالأمن
قوم -موسى- طُلب منهم الفعل مع وجود الخطر، لا بعد زواله، لأن سنة الله أن يكون النَّصر بعد الامتحان، لا قبله. - من نكص عن أمرِ ﷲ عوقِبَ بالحرمان
لما خالفوا أمر الله، عوقبوا بالتّيه، فدلّ ذلك على أنَّ التّثاقل عن الطّاعة قد يحرِمُ العبدَ خيرًا عظيمًا كانَ قريبًا منه.










