بين نور العقيدة والأخلاق

بين نور العقيدة والأخلاق… هناك خطابٌ ديني — دون قصد — يدفع بعض الشباب إلى حافة الشك، بل إلى الإلحاد أحيانًا. ليس لأن الإلحاد يملك منظومة أخلاقية متماسكة — فهو في ذاته متقلِّب المعايير — بل لأن الخطاب نفسه يقع في خطأ فادح: أن يجعل “الكفر” مرادفًا لـ”انعدام الأخلاق”.

وهذا… تصادمٌ صريح مع الواقع، بل ومع السيرة النبوية نفسها.

فالرسول ﷺ قال: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق». وهذا إقرارٌ واضح بأن مكارم الأخلاق كانت موجودة قبل الإسلام، لكنها جاءت ناقصة، فجاء الإسلام ليُتِمَّها ويُؤَصِّلَها.

المشكلة تبدأ حين يُصوَّر غير المسلم على أنه كائنٌ منزوع الخير تمامًا، كأنه وحشٌ بلا قلب، بلا رحمة، بلا صدق.

ثم يصطدم الشاب بالواقع: يسافر، أو يلتقي، فيجد إنسانًا غير مسلم: لطيفًا، ودودًا، صادقًا، يساعده، يبتسم له. فيتساءل — بدهشة حقيقية: أين الأنياب؟ أين المخالب؟ أين العيون المحمرة التي وُعِدْنا بها؟

هنا… لا ينهار الواقع، بل ينهار الخطاب الهش. ويبدأ الشك يتسلل: إذا كان هذا الوصف خاطئًا، فهل كل ما قيل لي خاطئ؟ وهنا يُفتح أول باب للكفر.

  • بينما الحقيقة أبسط لكنها أعمق:

الأخلاق شيء، والعقيدة شيء آخر. طيبة الإنسان، أو رِقَّتُه، أو كرمه، لا تعني أن ما يعتقده أو يفعله صحيح. هناك من يشرب السمَّ بابتسامة، فهل صارت الابتسامة دليل صحة؟ وهناك من يُدخِّن وهو في غاية اللطف، فهل أصبح التدخين فضيلة؟

نعم، يوجد غير مسلمين فيهم خير، بل وحتى في المنحرفين أخلاقيًا قد تجد خِصالًا إنسانية. لكن هل هذا يجعل باطلهم حقًا؟ بالطبع لا. كما أن التاريخ نفسه يشهد: أن الإنسان قد يحمل بذور الخير قبل الهداية. ألم يكن صعصعة بن ناجية -رضي الله عنه- ينقذ البنات من الوأد قبل إسلامه؟

ألم يكن أبو بكر -رضي الله عنه- رقيق القلب، سليم الفطرة قبل إسلامه؟ ألم يكن عمر -رضي الله عنه- يرفض الظلم بفطرته؟

ثم جاء الإسلام فلم يخلق هذه الأخلاق من العدم، بل ثبَّتها، ونقَّاها، وربطها بالله.

  • وفي المقابل، تحدث صدمة معاكسة:

حين يُصوَّر كل مؤمنٍ على أنه ملاك، ثم يرى الشاب مؤمنًا كاذبًا، أو قاسيًا، أو غادرًا، ينهار تصوُّره مرةً أخرى. لذلك، يجب أن تُقال الحقيقة بلا تجميل: الدين معصوم، وأتباعه بشر.

الدين هو المنهج، والناس هم المحاولون. منهم من يسمو، ومنهم من يسقط — رغم صلاته وصيامه. سوء خلق المؤمن نقصٌ فيه، لا في دينه. كما أن براعة غير المؤمن فضيلةٌ فيه، لا في عقيدته.

الإسلام جاء ليحرِّر الأخلاق من عبودية المزاج، ومن تقلُّب العُرف، ويجعل لها أصلًا ثابتًا، ومعيارًا واضحًا، وثوابًا أخرويًا.

  • وهنا الميزان الذي يضيع:

الحكم على الفعل لا يساوي الحكم على الإنسان كله. الكفر باطل، والمعصية خطأ. لكن الإنسان نفسه قد يحمل في داخله: رحمة، مروءة، صدقًا جزئيًا، أو بقايا فطرة. ليست المشكلة أن يرى المؤمن غير المسلم طيبًا، بل أن يُربَّى على أن الطيبة مستحيلة خارجه. فإذا رآها ارتبك، واختلَّ ميزانه، وظن أن الحق نفسه قد اهتز.

  • وهنا يجب أن نكون صادقين:

قد يكون الإنسان لطيفًا، كريمًا، رحيمًا لكنه لم يؤمن بالله. فهل نكذب وننكر ما نراه؟ أم نقول الحق كما هو: فيه خُلُقٌ حسن، لكنه على باطل أعظم؟

  • والخاتمة التي لا ينبغي تليينها:

لن تُغنيَ عنه أخلاقه عن دخول النار، ولن تنفعه إنسانيته ما دام لم يتبع نور الله. كما أن المؤمن لن ينفعه إيمانه إن لم يترجمه خلقًا، وسلوكًا، وعدلًا. فليس الإيمان مجرد كلمة، بل التزام.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة