كرم الله في إجابة الدعاء

|

أقول لربي دومًا: أدهشني بطريقة إجابة دعائي، إجابةً يتعجّب لها قلبي. وما زال ربي يعلّمني ويدهشني، وسيُدهشني.

أرى في الإجابة معجزةً تحدث؛ أن تدعو فتُسمَع: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وأن تُجاب: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

ويقف قلبي عند كل إجابة، إلى الحد الذي يجعله ينظر إلى معجزته بعينين متّسعتين متفكرتين ولسانٍ يلهج بالتعظيم. وأحب أن أتدبر كيف حدثت هذه المعجزة.

فالدعاء رجاءٌ من عبدٍ فقير، أما الإجابة فهي أثر كرم ربٍّ غنيٍّ كريم. وما زلت أتعجب من تلك اللحظة التي يرى فيها العبد دعاءه وقد صار واقعًا بين يديه.

يخرج من قلبٍ ضعيف، ويصعد إلى السماء همسًا، ثم يرجع بعد حين آيةً من آيات لطف الله، تحمل من الكرم أكثر مما حمله الدعاء من الأماني.

ولأقولُ لكم: قد تكون الإجابة سكينةً تحتلُّ القلب، أو رضًى يغمر النَّفس، أو لطفًا يحوط بالعبد. وكل الدهشة حقًّا في الشعور بالقرب، وأنَّ لك ربًّا يحبُّ أن يسمع دعاءك، ويغضب إن لم تسأله.

يدعو نبي الله أيوبُ ربَّه، الذي قال فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ويقول: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

فكان هنا الدرس الأول: يا للأدب في الطلب، ويا لحسن صياغة الشعور في الحرف!
«مَسَّنِي» لِمَ لم يقل: أصابني، أو أرهقني، أو أتعبني؟ بل قال: «مَسَّنِي»، وكأن لفحةَ هواءٍ باردةً مسته لثوانٍ معدودة ثم غادرت. هكذا أتخيل التعبير.

أقول في نفسي: لا يصوغ هذا الدعاء إلا عبدٌ عارفٌ بربه حق المعرفة، فكيف وهو نبي؟
ثم يستوقفني ختام دعائه: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فتقول لي نفسي: لِمَ لم يقل: يا أحكم الحاكمين؟

وأنتقل وأنا أقول: ربِّ علِّمني.

فكانت الإجابة: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾.
وفقط؟
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾.
كأن الإجابة تقول: ليس هذا فحسب.

ثم أنتقل إلى دعاء سيدنا زكريا عليه السلام، وما زلت أسيرة دعائه.
يبدأ دعاءه بذكر ضعفه وخضوعه، بدايةً تشعر أن كل حرف فيها منكسرٌ لربه، مثل انكسار صاحبها بين يديه.
الدرس الثاني..

﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾.
ثم يثني على الله بقوله:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.

يا لجمال ذكر نعمة الله عليه!
ومما جاء في التفسير أنه يقول لربه: لم تُخيِّب دعائي أبدًا؛ أي عوّدتني الإجابة.

وهنا أقول: وكأن الإنسان يقول: عوّدتني يا رب الجود والكرم.

ثم قوله:
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.
أقول: هنا يبثّ لربه خوفه وأسباب دعائه.
الدرس الثالث..

وأقف عند «فَهَبْ لِي» وقفةً كبيرة، وأقف أكثر عند:
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.

وفي آل عمران أيضًا:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.
فأقول في نفسي: دعاه باسم الوهاب، لا الرزاق.
وأذكر مما استمعت إليه سابقًا أن من معاني اسم الله الوهاب أنه يعطي بلا استحقاق من العبد، فالهبة محض كرم.
فسبحان ربي.

ثم أعيش لذة الإجابة المعجزة في قوله تعالى:
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾.

يرقّ قلبي لكلمة «يُصَلِّي»، وأشعر وكأن فيها معنى خفيًّا.

﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

بعد كل هذا أقول: يا لعظيم كرم الله في الإجابة! وكيف لا وقد دُعي باسمه الوهاب؟
رزقه الولد، ولم يدعه حتى يهمّ بتسميته، بل أغدق عليه أكثر:
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾.

فأقول: هذا وحده كرم، ثم ماذا؟
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
وفقط؟

﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
وفقط؟

﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾.
وفقط؟
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.

يا الله!
يا واسع الجود والكرم، ما أعظمك! يدعوك عبدٌ ضعيف، فتسمع دعاءه، ثم تجيبه، ثم تزيده فوق سؤاله، ثم تجعل في الإجابة من اللطف ما يعرّفه بك أكثر مما تعرّفه النعمة نفسها.

للإستزادة:
حب الله جلّ جلاله
سِحر الدعاء


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة