إن من أبرزِ الأقوالِ التي نسمعُها كنساءٍ هي “ناقصات عقلٍ ودين” وإنها ذاتِها إحدى الشُّبَه التي تَرِدُ علينا.
يقولها المُشَكِكُ منقصةً من دينِنا وإيهامًا لنا بأن دينَنَا يَظلمُنا أو يَنتقصُ منَّا كنساء، ويُرددُها كذلك المجتمعُ من حولِنا كإستنقاصِ لنا ولما نحن عليه.
وقد يَقولُها كذلك الزوجُ لزوجته في خلافٍ إحتدَّ بينهما لِيُبَينَ لزوجتهِ خطأها مهما كان، فَيرددُ بتجهم “ناقصاتُ عقلٍ ودين” ثم ينصرف، ولا يعلمُ أنه بذلك قد رمى قولًا لا يَعلمُ معناه بالتحديد أو حتى سبب قوله، وهو كالشبهة على قلبِ زوجته ليضطرب يومها ويُنَفِرُها -والعياذ بالله- من هذا الدين بسبب أنه قالها على سبيلِ المنقصةِ، والإساءةِ وفي غيرِ موضعِها وبأسلوب يُظهِرُ الدونية لها.
وهو في الغالب ما يحصل داخل نفسِ الأنثى، فالكثيرات لا يَعلمن حقًا معنى قول النبي ﷺ: “ناقصاتُ عقلٍ ودين” وحينَ يَجتزِئُ الحديثُ من سياقهِ الكامل فإنه يكونُ أكثرُ خطورةً على السامع.
لا أحد منا نساءًا ورجالًا يكادُ يَجهلُ هذا الجزء من حديث النبي ﷺ “ناقصات عقل ودين” لكن الغالب يجهل سياقه الكامل، حين مرَ النبيُ ﷺ على النساءِ في العيدِ ووعظهن وقال:
(يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ وأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفارَ، فإنِّي رَأَيْتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ فَقالتِ امْرَأَةٌ منهنَّ جَزْلَةٌ: وما لنا يا رَسولَ اللهِ، أكْثَرُ أهْلِ النَّارِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وما رَأَيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، وما نُقْصانُ العَقْلِ والدِّينِ؟ قالَ: أمَّا نُقْصانُ العَقْلِ: فَشَهادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهادَةَ رَجُلٍ فَهذا نُقْصانُ العَقْلِ، وتَمْكُثُ اللَّيالِيَ ما تُصَلِّي، وتُفْطِرُ في رَمَضانَ فَهذا نُقْصانُ الدِّينِ.) رواه مسلم
الآن لنفترضَ -مثلًا- أننا لمَّ فهمنا لِمَ قال النبي ﷺ قوله هذا، وما السبب أننا كنساءٍ كُنا أكثر أهل النار ووصفنا فوق ذلك “بناقصات عقل ودين”.
إفترضي معي أننا ما وجدنا ما يشرحُ هذه النقطة ويَذبُّ عنا هذا الإعتلاج في صدورنا، هل سنقول حينها “سمعنا وعصينا”، هل سننكر هذا الجزء من الدين؟ هل سَننقَمُ على دينِنا أنه انتَقَصَ من المرأةِ وظَلَمَنَا “بزعمنا”!.
أم أننا سنرى ذلك على أنه إختبارًا لإيماننا كما حصلَ مع الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم حينَ نَزَلَ قولَ اللهِ تعالى:
﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَما فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]
فاشتدت هذه الآية على الصحابة رضوان الله عليهم لمعنى “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء”
(فأتوا رسول الله -ﷺ-، ثم جثوا على الركبِ وقالوا: يا رسول الله كُلِفنا من الأعمالُ ما نطيقُ، الصلاةُ، والصيامُ، والجهادُ، والصدقةُ، وقد أُنزِلت عليكَ هذه الآيةُ، ولا نُطيقُها.
فقال رسول الله ﷺ: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابَيّنِ من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) فلما أقرَّ بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها
﴿ءامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[البقرة:285]
فلما فَعلوا ذلك نسخها اللهُ فأنزلَ سبحانه
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِنْ نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا… ﴾ [البقرة: ٢٨٦] تفسيرُ ابنُ كثير.
وأن الله حاشاه سبحانه أن يظلمَ أحدًا، وأن النبيَ ﷺ لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يوحى، ولا يُمكنُ أن يَظلِمَ الأنثى أو الذكر،
وأن الله سبحانه إذا أخبر أن عقل الأنثى أقل من عقل الذكر أو عاطفة الذكر أقل من الأنثى فلا يُمكنُ أن يكونم هذا جزافًا وظُلمًا بهذا الإقرار، فخالق الرجل والمرأة أخبرنا بطبيعتهم هذه وهو العليمُ الخبيرُ سبحانه، ونقول في كِلا أحوالنا سَمِعْنا وأطَعْنا.
والآن لنسمعَ هذا الحديثُ بقلوبِنا ونتأملُ لطائفَهُ الجميلة.
بدايةً فإن هذا الحديثُ قد وردَ في سياق وعظٍ وحثٍّ على الخير، ولا يكون ذلك إلا رحمةً من الواعظ،
فأحَدُنا إن نصحَ ولده ومن يُحب وحثَهُ على فعلِ الطاعاتِ وإجتنابِ ما يوردُه النيرانَ كان ذلك بدافعِ محبته والرحمة به والحرص عليه، فكيفَ بالنبي ﷺ وهو مُعلمُ الناسَ الخيرِ وقائدهم الأول وشفيعهم يومَ القيامةِ صلواتُ ربي وسلامهُ عليه!.
وفي الحديثِ هذا أنه ﷺ كان “يَتعهَّدُ النِّساءَ بالمَوعِظةِ كما يَتعَهَّدُ الرِّجالَ،” الدُرَرَ السنية.
وما هذا إلا رحمةً ومَكرُمةً منه ﷺ بالنساء ِ”وكَثيرًا ما كان يُذكِّرُهُنَّ بعُيوبِهِنَّ وأمراضِهِنَّ، ويَطلبُ مِنهُنَّ تَحصينَ أنفُسِهِنَّ وعِلاجَ ما يَقَعنَ فيه من أخطاءٍ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما أنَّ النَّبيَّ ﷺ وهو في يَومِ عيدٍ، وبعد أن أنهى الخُطبةَ؛ تَوجَّه إلى جَماعةِ النِّساءِ، والمَعشَرُ: كلُّ جَماعةٍ أمرُهم واحدٌ، وخَصَّهُنَّ بالمَوعِظةِ، فأمَرَهُنَّ أن يُخرِجنَ الصَّدَقاتِ من أموالِهِنَّ، وأمَرَهُنَّ ﷺ أيضًا أن يستغفِرنَ اللهَ، وقد يُعبَّرُ به عنِ التَّوبةِ،
وعلَّلَ هذا الأمرَ بكَونِه ﷺ رَأى -في رِحلةِ المِعراجِ أو غيرِها- أكثَرَ أهلِ النَّارِ من النِّساءِ، فيكونُ أمرُه لهنَّ بالصَّدقةِ؛ لأنَّها تَزيدُ في الحَسناتِ وتُطفِئُ غضَبَ الربِّ، فأرشَدَهنَّ إلى ما يُخَلِّصُهُنَّ من النَّارِ، وهو الصَّدقةُ مُطلقًا،” الدُرَرُ السنية
“بل يقولُ بكلِ حب: إني رأيتُكن أكثرَ أهلِ النارِ وهنا يُخْبِرُ ﷺ خبراً أَطلَعَهُ اللهُ عليه من الغيبِ، بأن النساءَ أكثرُ أهلِ النارِ، ولم يحكم على أحد، وفَرقَ بينَ الأخبارِ والحُكُم..
واللهُ يعلمُ بعددِ أهلِ النارِ، وعدد أهلِ الجنةِ، فهو العليمُ الخبيرُ سبحانه.
وهذا العددُ أن الرجالَ أكثرُ أهلِ النارِ أو النساءَ أكثرُ أهلِ النارِ ليسَ له أيَ ارتباط في المقارنةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ ومَنِ الأفضل، وإنما يَتعلقُ بالقربِ من اللهِ، والإيمانِ به أو البُعدِ عنه، والكفرِ به، وأن الذكرَ والأنثى في الحقوق والواجبات والثواب والعقاب في الآخرة سواء.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
ووالله إن إخبارَ النبيُ للنساء بهذا الخبرِ يُعدُ هديةٌ في يوم العيد؛ ليجعلهن يستشرفن مستقبلَ الآخرةِ، والبعد عن النار والخلود في الجنات، وهذه غاية كل حي،
وهذا الفهمُ الجميلُ فَهِمَتهُ تلكَ المرأة التي سألت الرسول السؤال الذكي، حتى إن الصحابيَ قالَ: (كانت امرأةٌ جزلة) -أي ذات عقل ورأي- ويَقولُ ابنُ دريد: الجزالة: العقلُ والوقار.
لم تهتم تلك المرأة في موضوع العدد؛ لأن الإحتمال الطبيعي إما أن أهل النار نصفهم رجال ونصفهم نساء، أو أكثرهم رجال والباقي نساء، أو أكثرهم نساء والباقي رجال، وكذلك الجنة الإحتمالات نفسها.
ولذلك تلك المرأة الجزلة كان تركيزها أن النبي ﷺ أخبر بحقيقةِ هذه الإحتمالات، وأن احتمالَ أن النساءَ أكثرُ من الرجالِ في النارِ هو الآن ليسَ احتمالاً وإنما حقيقة، ولذلك لم تسأل الأنثى البطلة لماذا؟ استنكاراً؛
لأن هذه الحقيقة التي أخبر عنها الرسول ﷺ كانت هي أحد الإحتمالات الثلاثة وأيضاً ربما كان واقعُ المجتمعِ بكثرةِ نسائه يَجعلُ لا تُمَثلُ لهنَ هذه الحقيقةُ مفاجأةٌ عظيمة، حتى في عصرنا هذا، فإن بعض الإحصائيات تؤكد بأن النساءَ أكثرُ من الرجالِ على مستوى العالم، وهذا يَجعلُ الخبرَ منطقياً بوصفهنَّ أكثر أهل النار لأنهن أكثرُ عدداً.
وعلى هذا فإن النساء أكثر أهل الجنة، وهذا خبر سعيد لكل أنثى، فقد جاء في حديث رسول الله ﷺ عن أول زمرة تدخل الجنة: (… ولِكُلِّ واحدٍ منهم زوجتانِ، يُرَى مُخُّ سوقِها مِنْ وراءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لا اختلافَ بينهم ولا تباغُضَ، قلوبُهم قلبٌ واحدٌ، يُسَبِّحونُ اللهَ بكرةً وعَشِيًّا) أخرجه البخاري ومسلم بإختلاف يسير. فالنساءُ على هذا أكثر من الرجال.
ولم تسأل تلك المرأة الجزلة: لمَ يا رسول الله نحن أكثر أهل النار، نحن نفعل كذا وكذا، والرجال يظلموننا بكذا وكذا!.
بل كان سؤالها المُرَكْز والذي يَحكي كل ما يُهِمُها هو: ما سببُ دخولنا النار؟ أي أكثر الأسباب التي أدخلتهن النار؟ أما العدد فليس هو موضوع النقاش، ولذلك قالت: وبمَ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأجابها بكل حب؛ حتى تتقي هذه الأسباب، فتكونَ من أسعدِ الناسِ بدخولِ الجنانِ. «مقتبسٌ من كتابِ أنثى تَشكرُ الإسلامَ بتصرفٍ يسير».
ثُم ذكرَ ﷺ! الخصالَ المؤدية لذلك فقال: (تُكثرنَ اللعنَ وتَكفرنَ العشير) وفي موسوعةِ (الدُرُرُ السنية) في شرح هذه النقطة من الحديث أن النبي ﷺ “بيَّن السَّبَبَ، بأنَّهُنَّ يُكثِرنَ اللَّعنَ، وهو السَّبُّ والشَّتمُ، أو الدُّعاءُ بالإبعادِ والطَّردِ من رَحمةِ اللهِ،
ويَدورُ هذا اللَّعنُ على ألسِنَتِهِنَّ كَثيرًا لِمَن لا يَجوزُ لَعنُه، وكان ذلك عادةً جاريةً في نِساءِ العَرَبِ، فحذَّرَهُنَّ منه لِيَترُكْنَه، ويَكفُرنَ العَشيرَ، والمرادُ بالعَشيرِ الزَّوجُ، والمعنى: لا يَشكُرنَ أزواجَهُنَّ، ولا يَعتَرِفنَ بِفضلِهم،
وقد فسَّره النَّبيُّ ﷺ في روايةٍ أُخرى عند البُخاريِّ ومُسلِمٍ بقَولِه: «لو أحسَنْتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّه، ثمَّ رأَت منكَ شَيئًا، قالت: ما رأيتُ مِنك خيرًا قَطُّ!»،
فتقابِلُ ذلك الإحسانَ بالجُحودِ والإنكارِ، فقد غَلَبَ استيلاءُ الكُفرانِ على فِعلِها، فكأنَّها مُصِرَّةٌ عليه، والإصرارُ يَجعَلُ الذَّنبَ اليَسيرَ كبيرًا، وذلك أنَّ حَقَّ الزَّوجِ عظيمٌ، فَيَجِبُ عليها شُكرُه، والاعترافُ بِفضلِهِ؛ لِقيامِه على أُمورِها، وصيانتِه وحِفظِه لها، وبَذلِ نَفسِه في ذلك،
وقد أمَرَ اللهُ مَن أُسديَت إليه نِعمةٌ أن يَشكُرَها؛ فكيف بِنِعَمِ الزَّوجِ التي يَبذُلَها الرَّجُلُ للمرأة في عُمُرِها كُلِّهِ؟!”.
ثمَّ وصَفَهُنَّ ﷺ بأنَّهنَّ “ناقِصاتُ عَقلٍ ودينٍ”، وأنَّهنَّ أذهَبُ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ، واللُّبُّ: العَقلُ الخالِصُ من الشَّوائبِ، فهو خالِصُ ما في الإنسانِ من قُواهُ، وهذا على سَبيلِ المُبالَغةِ في وَصفِهنَّ بذلِك؛ لأنَّه إذا كان الضَّابِطُ لأمرِه يَنقادُ لهُنَّ فغَيرُه أولى؛ فهُنَّ إذا أردنَ شَيئًا غالَبنَ الرِّجالَ عليه حتَّى يَفعَلوه، سواءٌ كان صَوابًا أو خطَأً.” (الدرر السنية).
وهذا تعجبًا منه ﷺ من هذا الأمر في النساء، على شدَّة تأثير قوتهن وطبيعتهن الأنثوية الضعيفة على طبيعة الرجل القوية، فإنها قادرة بسهولة على سلب الرجل قوَّته. فهو أمامها ضعيفٌ من بعد قوَّة، وهي حينها قويَّة من بعد ضعف.
ربما كل من سَمِعَ هذا الحديث يرى أن فيه انتقاصاً للمرأة، وربما أيضاً سبب ذلك كثرة استخدام جملة “ناقصات عقل ودين” في موضعِ النقص، أو الحوارات بين الزوجين، أو أثناء الغضب وغيرها.
ولنقف مع” ناقصات عقل” فليسَ في الحديث ما يَدلُّ على أن قدرات التفكير عند المرأة أقل من قدرات التفكير عند الرجل، وهذا عام في كل نصوص القرآن والسنة، وأن النقص في العقل ليس في قدرات التفكير، وإنَّما في العوامل المؤثرة في التفكير والعقل، وطبيعة التعامل مع هذه العوامل، وكذلك الحالة النفسية والخبرة والمعلومات وطبيعة الإهتمام.
فكثير من النساء لا يَمِلنَ للإِهتمام بالأمور المالية، والجنايات، وأحداث الجرائم، والشهادة على ذلك.
وبالتالي العقل هنا لا يراد به الذكاء والفطنة؛ لأننا على اتفاق تام أن هناك نساء أفطن وأكثر ذكاء من الرجل، والنبي ﷺ! ذكرَ نقصانَ عقلِ المرأةِ مقابل حزمِ الرجلِ،
وكأن المقصودُ بالنقص هنا هو الحزم والضبط؛ كون العقل يأتي بمعنى الحزم، وهذا أمر متعارف عليه في اللغة.
فالعقل والحزم يأتي بمعنى واحد، هو: الإحتراز في الأمور والجمع والضبط للرأي.
ولنقف مع راوي الحديث وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، هل فَهِمَ مباشرة أن كلام رسول الله الله صلى الله عليه وسلم! يعني نقص القدرات العقلية كما يفهمه كثير من الناس هذه الأيام؟ .
راوي الحديث الصحابي الجليل أبو سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، بعد ثوانٍ من كلام رسول الله ﷺ قال: فقامت امرأة جزلة أي: ذات عقل ورأي.
ما أعمق فهمك يا صَاحبَ رسول ﷺ!، لقد فهم أن هذا النقص ليس نقص قدرات عقلية وإلا لم يَقُلْ «امرأة جزلة» بل فَهِمَ أن هذا النقص يعني شيئاً في طبيعة المرأة وطريقة تأثرها وتفكيرها في مواقع الشهادة فقط وليس بشكل عام.
ولو كان المقصود بالنقص هو نقص القدرات العقلية فلماذا يذكر النبي ﷺ تعجبه من فطنتها في التأثير على الرجل الحازم.
(حتى قال العيني: أليس ذلك ذماً لهن؟ قلت: لا، وإنما هو على معنى التعجب، مع إنصافهن بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا).
فإن مريم وخديجة وآسيا وفاطمة أكمل من كثير من الرجال إلى يوم القيامة وكذلك زوجات النبي أمهات المؤمنين وأكثرهن كن يسمعن ما قاله الرسول ﷺ في يوم العيد، ولو كان المقصود في العقل هو نقص الذكاء أو الفطنة أو بعض القدرات العقلية الأساسية كيف يساوي الله بينها وبين الرجل في تكاليف العبادة والواجبات في الثواب والعقاب؟.
فإن هذه المساواة “إذا كان فهم الحديث على أنه نقص في المرأة “فإنه من غير العدل المساواة مع الرجل في التكاليف الإيمانية و الثواب و العقاب في الآخرة!.)
«أنثى تشكر الإسلام بتصرف يسير».
ثم بيَّن ﷺ عَلامةَ نُقصانِ العَقلِ؛ بأن شَهادة امرأتين تَعدِلُ شَهادةَ رَجُلٍ، وهذا تنبيهٌ منه ﷺ على ما وَراءه، وهو ما نبَّه اللهُ تَعالَى عليه في كِتابِه بِقَولِه تَعالَى:
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]
فإنَّهُنَّ لا يُحسِنَّ تَذَكُّرَ الكلامِ، ولا ضَبطَهُ، ثم بيَّنَ نُقصانَ الدِّينِ بأنَّ المَرأةَ تَمكُثُ لَياليَ وأيامًا لا تُصلِّي؛ بِسَبَبِ الحَيضِ، وتُفطِرُ أيَّامًا من رمضانَ؛ بِسَبَبِ الحَيضِ. وليس المرادُ بذِكرِ نقصِ العقلِ والدِّينِ في النِّساءِ لَومَهنَّ عليه؛ لأنَّه من أصلِ الخِلقةِ، لكنِ التَّنبيه على ذلك تَحذيرٌ من الإفتِتانِ بهنَّ.
وفي الحديثِ: مُراجَعةُ المُتَعَلِّمِ للعالِمِ، والتَّابعِ للمَتبوعِ فيما قاله إذا لم يَظهَر له معناه. وفيه: الحَثُّ على الصَّدَقةِ وأفعالِ البِرِّ، والإكثار من الإستِغفارِ وسائرِ الطَّاعاتِ.
وفيه: أنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ. وفيه: إطلاقُ الكُفرِ على غَيرِ الكُفرِ باللهِ تَعالَى، ككُفرِ العَشيرِ، والإحسانِ، والنِّعمةِ، والحَقِّ”. (موسوعة الدُرَرُ السَّنِية).
ويُعَزِزً الشيخُ ابنَ باز رحمه الله هذا الفِهمُ فيقولُ (بيَّنَ ﷺ أن نقصانَ عقلها من جهةِ ضعف حفظها وأن شهادتها تُجبر بشهادة امرأة أخرى؛ وذلك لضبط الشهادة بسبب أنها قد تنسى، فتزيدُ في الشهادة، أو تُنقِصُها، كما قال سبحانه:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282].
وأما نقصانُ دينُها؛ فلأنها في حالِ الحيض والنفاس تَدَعُ الصلاةَ، وَتَدَعُ الصومَ، ولا تقضي الصلاة، فهذا من نقصانِ الدين، ولكنَّ هذا النقصُ ليست مؤاخذة عليه، وإنما هو نقصٌ حاصلٌ بشرعِ الله، هو الذي شرعه رفقًا بها، وتيسيرًا عليها، لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصيام وقت الحيض والنفاس والقضاء بعد ذلك.
وأما الصلاة فإنها حال الحيض قد وجد منها ما يمنع الطهارة، فَمِن رحمة الله جل وعلا! أن شرعَ لها تَركُ الصلاة، وهكذا في النفاس، ثم شرع لها أنها لا تقضي؛ لأن في القضاءِ مشقة كبيرة؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، والحيض قد تَكثُرُ أيامه، فتبلغُ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر، والنفاس قد يبلغ أربعين يومًا،
فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقطَ عنها الصلاة أداءً وقضاء، ولا يلزمُ من هذا أن يكونَ نَقصُ عقلِها في كلِّ شيء، ونَقصٌ دينِها في كلِّ شيء.
وإنما بينَ الرسول ﷺ أن نقصَ عقلِها من جهةِ ما قد يَحصلُ من عدمِ الضبطِ للشهادة، ونقصَ دينها من جهة ما يَحصلُ لها من تَركِ الصلاةِ، والصومِ في حالِ الحيضِ، والنفاسٍ، ولا يَلزمُ مِن هذا أن تكونَ أيضاً دونَ الرجل في كل شيء، وأن الرجلَ أفضلُ منها في كل شيء.
نعم جنسُ الرجالِ أفضلُ من جنسِ النساء ِفي الجملة لأسباب كثيرة، كما قال الله سبحانه وتعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]
لكن قد تفوقه في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم لله من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها، وإنما ورد عن النبي ﷺ أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاذيّن الحديثيّن اللذيّن بينهما النبي ﷺ.
وقد تَكثرُ منها الأعمال الصالحة فتربو على كثيرٍ من الرجال في عملها الصالح، وفي تقواها لله عز وجل، وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطًا كثيرًا أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها، فتكون مرجعًا في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة، وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في عهد النبي ﷺ وبعد ذلك.
وقد دعتنا جملة ناقصات عقل ودين، لنقف على أطلال جمالٍ بديع ورحمة كانت محلّ خجلٍ وإزدراءٍ للنفس الأنثوية وشبهةٍ سابقًا.
وفتحت أعيننا على حيلةٍ مقيتة يراد بها تحويل مشهد الجمال هذا إلى بؤسٍ وريبة، بقطع جزء “ناقصات عقل ودين” عن سياقها من الحديث ثم قولها عند كل حادثة بقصد التقليل من المرأة والإستنقاص منها.
فهذا الفهم الصحيح الذي ورد ينفي ضده من الفهم المشوَّه الذي يُفسِّرُ نقصانَ الدين على أنه ضعف الإيمان أو قلة التدين، ونقصان العقل على أنه قلة الفهم والذكاء والحكمة،
بينما التفسير الشرعي الصحيح “لناقصات عقل ودين” لم يكن ذمًا وتقليلًا من قيمة المرأة المسلمة أبدًا؛ بل بيانًا لبعض الإختلافات الفطرية والتكوينية بين الرجل والمرأة، ودعوةً لها للتصدق والإبتعاد عمَّا من شأنه أن يجلب لها العذاب في الآخرة.
ولا ينبغي للنساءِ أن تتذرعَ بهذا الجزءِ من الحديثِ على إهمالِها شئون دينها وجهلها، أو حتى جوانب النقص الواضحة في شخصيتها وأخلاقها، كأمراض القلوب عندها مثل الحسد والعُجب والغفلة والنفاق واتباع الهوى وغير ذلك. معللةً هذا على أنه فطري بها ولا يد لها فيه. وهذا من الجهلِ والظلمِ للنَّفسِ حتمًا.
فالتزكيةُ واجبة، ومعرفةُ أن هذا النقصُ في العقلِ والدينِ إنما هو من جانبٍ معين قد وضحه النبي ﷺ، وهذا الذي لا شأن لكِ به وقد راعته شريعة الله سبحانه بنا معشر النساء. وما عدا ذلك فلا يُحملُ عليه، ولا يُتَعَذَّرُ بقولِ النبي ﷺ “ناقصات عقل ودين” على نقصك الفعلي وجهلك في جوانب كثيرة أخرى!
وبعد هذا نقولُ: لا يَتكَلمُ أَحَدَكُم دونَ علمٍ بما يُلقيه وليتَّقي الله في النِّساء، وليحملُ كلامَ النبي ﷺ على خيرِ المحامل وأحسَّنِها، فما أساءَ لها نبيها الكريم ﷺ، لتُسيئوا أنتم وتُلقوا الكَلَمَّ جاهلين مستنقصين به!
واللهُ تعالى أعلى وأعلم.










