فتنة ناعِمة تستشري في لبِنات بناء الأُمة وأملها،
الشُبان، والشابات!
تنخرُ البناءُ من أساسِهِ، فيتهاوى ويخر محطومًا ما بقيَ منه إلا شظايا!
تُطفئ نور قناديل الصدور، أو تركلها؛ فتأكل ألسنة اللَّهب القلب بجدرانِهِ، وأثاثِهِ، وصاحبِهِ، فلا يبقى منه إلّا سوادًا كقطع اللَّيل.
حديثي موجّهٌ في هذا المقال للفتيات، لا تغتَر إحداكُنَّ بنفسِّها، وتقولُ أنا بعيدة عن الفتنة، بل خافي وفرّي من كُلِّ طريقٍ يؤدي إليها وإن طال، وإن بعُد، وإن تفرَّع! فالعودة لاتكون إلا على أشلاء قلبك.
يحضرنا دعاء نبيّنا محمد (صلوات ربي وسلامه عليه):
(يا حيّ ياقيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولاتكلني إلى نفسي طرفة عين). وما أحسنه من دعاء، فإن وُكِلتِ إلى نفسكِ هلكتِ.
فإن ساعةً من ساعاتِ هذا الضعف الإنساني الذي نُسميهِ «الحُب» تُنشِئ للقلبِ تاريخًا طويلًا من العذاب، إن لم تكن آلامَهُ هيَ لذَّاتهِ بعينها فهيَ أسباب لذاته.
دعينا نستحضرُ أكثَر ما أسقطَ الفتيات في هذا الجُرف.
1-الفراغ: فالعشقُ كما يصفهُ ابن القيم
” حركة قلبٍ فارغ”
2-فرطُ احتياج: تندفعُ الفتاة بعاطفةٍ مُفرطة تحجِبُ عقلها عن عواقب الطريق الذي سلكته؛ لتستيقظ فجأة مدركة فداحة مافعلت!
3-غفلة وثقة: غفلة عن طِباع الرجال، فكيف تعامل غزالةٌ ضبعاً على أنه غزالة مثلها، وهو هو بمكرهِ وخبثه؟! ليس همَّهُ إلا كيف يفترسها!
٤-ثقة: إما في نفسِّها حيثُ تظن نفسها قادرة على وضعِ حدود وأن تخرُجَ من النارِ سالمة؛ لأنها هي!
أما قريناتها اللَّواتي سقطن؛ لأنهن لم يحسِننَّ التصرُّف.
فيدخل عليها الشيطان من باب العُجب.
أو ثقة في شخصِ ما تحبه، والثقة إن وُضِعَت في غيرِ موضعها عملت عمل السُم، فكيف تثق بشخصٍ هان عليه انتهاك حدود الله وحرماته!
ولو عرفتِ أن الرجال جميعاً ذئاب وأنتِ النعجة لفررتِ منهم فرار النعجة من الذئب، وأنهم جميعًا لصوص ولو احترستِ منهم احتراس الشحيح من اللص.
وإذا كان الذئب لا يريدُ من النعجة إلا لحمها، فالذي يريده منكِ الرجل أعزُّ عليكِ من اللحم.
-“وأنا أيضا”: في زمنٍ توارى فيه الحياء وأصبح “boy friend” و”كراش “ex” حديثُ كُلُّ جلسة، ودلالة على تحضر الفتاة ونضجُها العاطفي، ولحاقها بركب مثيلاتها، وقد يهتز إيمان الفتاة المُحاطة بصحبة السوء، فتقول في نفسها: “وأنا أيضا قادرة أن أكوّن علاقة عاطفية”.
فتميّع الحدود مع الجنس الآخر ويتساقط حجر الدومينو لتبدأ سلسلة تنازلات؛ لتثبت لصديقاتها أنها مثلهُن!
-فقر العاطفة في الأسرة:بعض البيوت تفتقرُ للكلمة الطيبة، والعناق بين الأمِ وابنتها، أو أن يُقبِل الأب جبين ابنته، ويجلس معها جلسة وديّة يتفقَّدُ حالها، فالأب حاضر غائب، والأمّ ساهية غافلة.
-تأخير الزواج: تعقيدُ الزَّواج من حيث عدة أمور:
1-سن الفتاة: فلا تتزوج حتى تكمل دراستها الجامعية” التي غالباً تكون “خمس سنوات”
2- كثرة المتطلبات: من مهر خياليّ، ومظاهر وكماليات، في الحفل وقبله وبعده، وبالتالي عزوف الشبان عن الزواج!
إذًا فالصحبة الصالحة صمام أمان، والوعي بمنافذِ الشيطان وأهواء النفوس دِرعٌ أمام الفتن، والابتعاد عن كل مايقدحُ زناد العاطفة من مدخلات بأنواعها (أغاني،تصاميم عاطفية وإن كانت محتشمة، إطلاق البصر..الخ) حِصن القلب.
اغمُري الأطفال بعاطفتك، علّميهم آيات الله، اغرسي فيهم أحسَن القيَم، شاركيهم أفكارهم وسترين عاطفةً أكبر من عاطفتكِ تندفعُ نحوكِ وتغمركِ بغيوث نقية، ونسائم باردة.
وأخيرًا إن استدامة الدعاء خير زاد، والالتجاء للّه بدوامِ السِّتر والعون وأن يرزقكِ البصيرة، وأن يهبكِ من يرفق بهذه المُضغة المكنونة في صدرك، فالدعاء من أقوى الأسباب،
فمن خلقكِ لايعجزه أن يرزقكِ من يصبُّ عليكِ الحبَّ صبًا!
أعرف أن هُناك عاطفة متّقدة في فؤادك، نبيلة سامية!
لكن ابتعدي بفضائلكِ عن طريقِ الحب!
إن من اعتادت غذو جسمها بأحسنِ الفواكه لونًا وجودة،ونكهةً… هل تذهب للطرقات أو مكان تجمع الذباب وتستبدل الأول بالثاني؟! فما يرى العاقل هذا إلا جنونًا!
وكذا إن فعلتِ، حُب مبتذل، رخيص، كفة غير راجحة، وصفقة أنتِ فيها خاسرة!
مشاعركِ تصبغُك بالفرادة، صوت من الأعماق ينادي: “ما أجمل ضعفكِ، ما أحسن رقتك”.
لاتدعينهم يقنعونك أنها سُبّة. خسِئوا! بل السُبة حين تضعينها في غير موضعها!
إن سرّ الشَّمس ودفئها، في توقّد أعماقها، وماضر الشَّمس عينٌ رمداء، وسرّ الغيوم غيثٌ مستتر فيها، ألا ترين الأنثى تفرح بل وكل مُحيطها يطرَب حين تحمل، وألا ترين أن بتأنثها وتأنقها تسلب عقول عائلتها! فلا تفيضي بأنوثتكِ وعاطفتكِ، ولا تنثريها في الطُرقات.
لاتدعي أحدًا يسرق ملامحك النَضِرة، ولا أن يسرِق ألوانك؛ ليحيلك ذات يوم رمادًا باهتًا لن يقوى على شيء، قوِيَ على أن يتناثر كالهباءة مع الرياح فيتفرق شذر مذر.
أخبريني، ماحالُ سمكةٍ غادرت الماء؟
عصفورٌ أراد أنْ يمضِ حياته ماشيًا على قدمين؛ لأن البشر ليسوا بأحسنِ منه.
إن كمالكِ بضعفكِ الأنثوي، فلولا عاطفتكِ الّتي أودعها الله فيكِ، ما تحملتِ وما تحمَّلتِ أنثى على وجهِ الأرض، الحملَ والسَّهر؛ لأجلِ أطفالها، ورعايتهم، وماساندت زوجا آيِبًا من وحشةِ الخارج إلى دِفء البيت.
فيا فراشة تأنقت بألوانها، فرّي من نارِ الدُّنيا التي همُّها حرْقَ أجنحتكِ، اهربي من نارِ الآخرة بصونِ نفسك، فإن توانيتِ، لا للشرنقة عُدتِ، ولا للسماءِ سموتِ، ولا عاطفةً أبقيتِ!
خِتامًا:
الإسلام لا ينكر غريزة الحب ولا يتجاهلها، وإنَّما يضبط مسار إشباعها، ويوجهها في الاتجاهِ الصَّحيح؛ حتى لا تسودُ الرذيلة ولا تتطبع الفاحشة، وحتى لا تصرف طاقة الحب في غيرِ موضِعها الصحيح فتعودِ بالأثر السلبي على الفرد والمجتمع
(¹):الرافعي
(²):رسالة بعنوان يابنتي_الشيخ علي الطنطاوي|رحمه الله|.
(³):للرافعي بتصرف.
(⁴):كتاب التربية من جديد.










