إنّ من أخطر أمراض القلوب، وأشدّها خفاءً: الأمن من مكر الله.
وهو داءٌ إذا استحكم في القلب، أطفأ نور الخشية، وأورث فيه غفلةً جاثمة، حتى يهوِي بصاحبه في دركات الهلاك وهو لا يشعر.
معنى الأمن لغة: طمأنينة النفس وزوال الخوف.
ومعنى الأمن من مكر الله شرعاً: قال القرطبي في تفسيره: “وَمَكْرُ اللَّهِ: اسْتِدْرَاجُهُ لِعِبَادِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ…
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلَّمَا أَحْدَثُوا خَطِيئَةً جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَةً.”
وقال ابن تيمية: “ومَكْرُهُ أنْ يُعاقبَهُ على الذنبِ لكن من حيثُ لا يشعر.”
والمكر صفة فعلية مقيدة للخالق سبحانه الَّتي تقَعُ بمَشيئتِه، فلا تُطلَقُ عليه سبحانه إلَّا في سبيلِ المقابَلةِ والجزاءِ لِمَن يَمكُرُ به تعالى وبأوليائِه:
(وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
وفي الدعاء النبوي: ” وامكُر لي ولا تَمكُر عليَّ…”
والأمن من مكر الله على قسمين:
القسم الأول:
- الأمن المطلق من مكر الله: وهو زوال الخوف من القلب زوالًا تامًا، حتى يرى صاحبه نفسه في مأمنٍ من عقوبة الله، وهذا انحراف خطير ومزلق عظيم ينافي حقيقة الإيمان.
- قال تعالى في شأن هؤلاء: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
القسم الثاني:
- الأمن من مكر الله تعالى بشكل جزئي وهو أن يبقى في القلب شيء من الخوف، لكنّه ضعيفٌ واهن، يدفع بصاحبه إلى الجرأة على المعاصي، والاستخفاف بنظر الله إليه، وهذا من الكبائر.
ومن أعظم ما يُظهر خطورة الأمن من مكر الله:
هو عندما تتعايش مع المنكرات بنفس مطمئنة…
حين تزين لك نفسك الامارة بالسوء سوء عملك…
فقد تقول في داخلك: “إن الله غفور رحيم لا يتعاظمه ذنب” وأنت مصر على الموبقات…
حين ترى نفسك زائغا عن طريق الله وكلما ازددت بعدًا، ازددت نعمة… حتى تنشغل بالنعم عن المنعم…
وحين يُعجبك عملك، وتغتر بحسناتك، وتستثقل فرائض ربك…
عندما تغلو في الرجاء حتى يصير حجة للغفلة…
وعندما يغلب عليك الجهل بالله وضعف الإيمان به سبحانه…
ولا يخطر في بالك يا مسكين أنك مستدرج من خير الماكرين ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾
فها أنت تجر نفسك للهلاك… حتى تقع في بئر سحيقة يصعب عليك الخروج منها… إلا أن يتداركك الله برحمته!
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
قال السعدي: “وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة.”
وقال الذهبي: “كُلُّ من لم يخش أن يكون في النَّار؛ فهو مغرُورٌ قد أمِنَ مكر الله به.”
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: “سألت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن هذِهِ الآيةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قالت عائشةُ: أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ؟ قالَ: لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.”
فالخوف هو الترياق الأعظم في علاج الأمن من مكر الله تعالى، قال أبو سليمان الدارني:” ما فارق الخوف قلبًا إلا خَرِب.”
لكن الخوف المحمود ليس الخوف الذي يوصل لليأس والقنوط؛ بل خوفٌ يزجر عن المعاصي ويحفز على الطاعات…
ومن علاج هذا الداء، أن يستشعر العبد أنه لا يدري: هل قُبلت حسناته أم رُدّت؟ هل غُفرت سيئاته أم بقيت؟ وبأيّ عمل يُختَم له؟ فإنّ الأعمال بالخواتيم!
ولا ينجو من هذا الداء إلا قلبٌ يخاف الله ويرجوه، يراقب ربه ويحاسب نفسه…
أخيرا،
الأمن من مكر الله منزلقٌ خطير، يُذهب بالخوف ويوقع في الغرور، ويُستدرج العبد حتى يظنّ أنه ناجٍ وهو في قلب الهلاك؛ فعذاب الله يأتي على حين غرة! فالحذر الحذر!










