سلسلة وقفات مع أمراض القلوب (٤): اليأس والقنوط من رحمةِ الله – مفازةٌ قاحلة

|

إنّ من أشدِ أمراض القلوب على الإيمان، وأعظمِها خطرًا على الصّلة بين العبد وربه: اليأس والقنوط من رحمةِ الله؛ وهو داءٌ يُفسد على العبد دينه ودنياه، ويُغلق عليه أبواب الرّجاء والطّمأنينة، ويجرّه إلى سوء الظنّ بالله تعالى.

  • وقد ذهب أكثر أهل العلمِ إلى أنّ اليأس والقنوط متقاربان في المعنى، وإن فرّق بعضهم بينهما من جهة الشّدةِ والمرتبة.
  • فاليأسُ لغةً: هو القنوط، وقيل: نقيضُ الرّجاء، أو قطعُ الأمل.
  • واصطلاحًا: انقطاعُ الرّجاءِ والطّمعِ في نيلِ رحمةِ الله تعالى.
  • وأما القنوط لغةً: فهو أشدّ اليأس من الشيء.
  • واصطلاحًا: شدّة اليأس من الخير والرّحمة.

واليأس والقنوط على أربعة أقسام:

  • الأول: اليأس التامّ المنهيّ عنه، الذي ينعدم معه الرّجاء بالكلية، ويتضمّن تكذيب سعة رحمة الله أو إنكارها،وهذا مسلكٌ خطير يتعارض مع حقيقةِ التوحيد، ويُفضي بصاحبه إلى انحرافاتٍ عقدية عظيمة.
  • الثاني: يأسٌ يَضعف معه الرجاءَ ويقلّ، دون أن ينعدم بالكلية، وهذا من كبائر الذنوب.
  • الثالث: يأسٌ مأمورٌ به، كاليأس مما في أيدي النّاس.
  • الرابع: يأسٌ جائز، كيأس القلب عن توقّع بعض الأمور التي يتعذّر وقوعها عادةً، كالسفر إلى بلدٍ معيّن في زمنٍ مخصوص…

وقد صار هذا الدّاء -إلا من رحم الله- سِمةً ظاهرة في هذا العصر؛ فترى كثيراً من النّاس إذا أذنب ذنباً- صَغُر الذنب أو كبُر- قنط من رحمة الله، فيترك التّوبةَ والاستغفار، ويبتعد عن طريق الاستقامة، ناسيًا أنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء، وأنّه سبحانه توّابٌ غفور، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

وكثيرٌ من المرضى ييأسون من الشفاء، فيتركون الأخذَ بالأسباب والدّعاء، فيجْنون على أنفسهم ويتفاقمُ داؤهم، ناسين أنّ رحمةَ الله أعظمُ من كلّ مرضٍ وألم، وأنّ الله هو الشّافي، وبيده العافية لا بيدِ غيره، ولو آيسَهم الأطباءُ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

واعلم أنّ رحمةَ الله أعظمُ من مصيبتك، وأوسعُ من شدتِك، ولو كانت في عينيك أكبرَ من الدنيا وما فيها، فأبشر بفرجِ الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

واعلم أنّ رحمةَ الله أكبرُ من أمنياتِك وطموحاتك، فلا تيأس.

واعلم أنّ رحمةَ الله أوسعُ من يأسك على حالِ الإسلام، وأعظمُ من قنوطِك مما ترى من واقعِ الأمة من ضعفٍ وهوان؛ فالنصرُ والتمكين بيدِ الله، لا بالمقاييس الماديّة وحدها، والله لا يخذل من توكّلَ عليه وأخذَ بالأسباب، وسترتفع المهانةُ عن المسلمين، ولن تُكسرَ شوكةُ هذا الدين ما دام في الأرض من يوحدُ اللهَ وهذا ظننا الجميل بالله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

والمؤمنُ الذي يعرفُ ربَّه حقاً بأسمائهِ وصفاته، ويؤمنُ بحكمته في المنعِ والعطاء، ويجتنبُ المنكراتِ، فإذا أذنب سارع إلى التّوبة، وأحسن الظنَّ بربه بقَبولِ التّوبة وغفران الذنوب، وأحسنَ العملَ، وأكثَر من تلاوةِ القرآن وتدبّره، ومن قراءةِ أحاديث التّرغيب والتّرهيب، وأكثَرَ من الدعاء موقنًا بالإجابة، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وقال صلى الله عليه وسلم: “ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابة”، فإن تأخرَ الجوابُ، فلا يقنطْ من رحمةِ الله، فإن ما اختاره الله لعبده خيرٌ له، ولو خفيَ عليه وجهُ الحكمةِ من ذلك.

لا يكادُ يطرق قلبه هذا الدّاء؛ إذ قد يمسي كالتّائه في مفازةٍ قاحلة، يطلبُ بصيصَ أملٍ فلا يعثر عليه.
والعاقلُ يدرك أنّ اليأس والقنوطَ من أعظم مكائدِ الشّيطان ببني آدم، فليحذر منهما.
قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “أكبر الكبائر: الإشراكُ بالله، والأمنُ من مكرِ الله، والقنوطُ من رحمةِ الله، واليأسُ من رَّوحِ الله”.

واعلم يقينًا أنّه مهما طالَ البلاءُ فلا بدّ أن يعقبه فرجٌ،
بل إنّ انتظارَ الفرجِ عبادةٌ عظيمة، ودليلٌ على حسنِ الظنّ بالله، وهي عبادةٌ يغفل عنها كثيرٌ من الّناس.
وحسنُ الظنّ بالله من أجلّ أعمال القلوب، وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي».
غير أنّ حسنَ الظن بالله لا يكونُ مع سوءِ العمل، بل من أحسنَ ظنّه بربهِ أحسنَ العملَ، ومن أساءَ ظنّه بربه أساء العمل، قال الحسن البصريّ رحمه الله: “إنّ المؤمنَ أحسنَ الظنّ بربهِ فأحسنَ العملَ، وإنّ المنافقَ أساءَ الظنّ بربهِ فأساءَ العملَ”.

أخيراً،
إنّ اليأس والقنوط فيهما تكذيبٌ لله تعالى، وسوءُ أدبٍ مع الله، وهما من أعظم أسباب الخذلان والضّلال بل قد يقودان صاحبهما إلى الأدهى من ذلك!

ولا أظنُّ مؤمنًا يركنُ إلى التشاؤم واليأس، ويترك التعلقُ بالله كي ينقذَه ممّا ألم به؛ فإنّ الانسياقَ وراءَ الكآبةِ بدايةُ تيه شامل، فاستعن بالله في الخلاص من هذه الآفات، وكن موصولًا بالرجاء، موفوراً بالأمل بالله وفضلهِ ورحمته، ودع القنوطَ واليأس لأهل الكفر والضّلال، أمّا أنت أيّها المسلمُ فأنت تعبدُ ربَ الأكوان وخالقها ومدبرها سبحانه في علاه،
فمن أيّ شيءٍ -وأنت تعبدُه- يا ترى تيأس؟!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة