الإرهاب… كلمةٌ طالما استُعملت قناعًا يُخفي الحقائق، لا وصفًا يكشفها. وفي عالمٍ يبدّل المعايير بحسب الهوية والمصلحة، يغدو السؤال الأهم: من الإرهابي حقًّا، ومن صانعُ الإرهاب؟
من المفارقات المضحكة، بل والمحزنة أيضًا، أن ذاك الملتحيّ المسلم ذو الرشاش، الأشعث الأغبر الخارج من ساحات المعارك، الذي صُوِّر دهورًا وحشًا في الدعاية العربية والغربية على السواء، والذي أُلصقت به تهم قمع النساء، واستعبادهن، واشتهاء الأطفال،
وصُوِّر كائنًا لا يعرف سوى تفجير الأحزمة وذرّ أشلاء الأبرياء..
وقف اليوم أمام مَن صُوِّر أنه التنويريّ المتحضّر، حامي النساء والأطفال، ناشر السلام والحبّ والوئام، فأسقط كل هذه الادعاءات؛ إذ لم يطلق رشاشه على الظُّلام، وحزامه لم يُفجَّر إلا في جدران سجونٍ حوت نساءً وأطفالًا، سجنهم مَن ارتدى البدلة، مدّعيًا التنوير.
الجماعات الإسلامية التي وُصفت بأنها إرهابية، وسلفية، وإخوانية، كانت هي مَن حرّر النساء والأطفال من سجون مَن ادّعوا العلمانية، والليبرالية، وحقوق الإنسان، إمّا عبر صفقات، أو اقتحامٍ مباشر..
بعد أن قيل لنا طويلًا:
هؤلاء هم أعداء المرأة، أعداء الحياة، أعداء الإنسان.
- هذا العالم ينقسم شقّين:
شقٌّ يتفيهق بالمدنية، وحقوق الإنسان، والتحضّر، بينما هو الجلّاد، وشقٌّ يُصنَّف أنه الخطر، وهو مَن أمسك بمفاتيح الحرية، وهدم السجون.
لم تكن الجماعات الإسلامية ملائكية،
ولا بريئة من الخطأ، ولا منزّهة عن الزلل،
لكنها فعلت ما لم تفعله القوى التي رفعت رايات الحقوق:
أخرجت أجسادًا حيّة من خلف القضبان.
نساءً وأطفالًا، لا بوصفهم أرقامًا في تقريرٍ أممي، بل كائناتٍ لها أسماء، وبكاء، وذاكرة.
وفي المقابل، كانت قوى تدّعي الديمقراطية تُدير السجون، أو تصمت عنها،
أو تبرّرها باسم “الضرورة الأمنية”،
وتبني جزرًا لمشتهي الأطفال الحقيقيين.
كيف يكون قتل قنّاصة في سوريا، سلبت أرواح الأبرياء، إرهابًا، بينما يُسمّى قتل أمٍّ في أمريكا على يد إدارة الهجرة والجمارك “حفظًا للأمن”؟
هذا العالم، يا رفاق، لا يحاكم الأفعال بميزانٍ واحد، بل يحاكم الهويّات.
مَن يفعل الشيء نفسه يُدان أو يُبرّأ بحسب موقعه من الخريطة السياسية.
- والمفارقة القاسية:
أن مَن صُنِّفوا” إرهابًا” كسروا القيود،
ومَن صُنِّفوا “حضارة” أداروا المفاتيح.
أظنّنا تجاوزنا في هذه اللحظة سؤال:
مَن هو الملاك، ومَن هو الشيطان؟
إذ صارت الحرية تُنال على يد مَن شُتموا، وتُسلب على يد مَن مُدحوا.
العالم اليوم لا ينقسم إلى خيرٍ وشرّ،
بل إلى مَن يقتل ثم يكتب تقريرًا يبرّر القتل، ومَن يُدان حتى لو كسر قيدًا.
وإنني أتساءل:
مَن يملك تعريف الإنسان؟
ومَن يملك حقّ سلبه باسم الضرورة؟










