سنّة التمحيص والابتلاء… في هذا الزمن، حيثما نولِّ وجوهَنا نرَ الفتن كقطع الليل المظلم، أمواجًا متلاطمة يأكل بعضها بعضا، قد أغرقت من أهل الغفلة الكثير، بل وتبتلع بعضًا ممن حسبناهم يومًا من أهل الصلاح؛ فنراهم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، قد نسوا يوم الحساب، ولم يعد في شاشات عقولهم وبُنيات أفكارهم إلا أصنام تُعبد من دون الله: مصلحة، جاه، شهرة، سلطة…
فهل يُعقل أن يبيع الصالح ما كان يدعو إليه يومًا من البر والخير ويجعله وراء ظهره؟ أم هل يُعقل أن يغيّر تلك المبادئ أو يُلبسها معانٍ أخرى على غير حقيقتها، لأجل هوى متبع وشيطان يزين له العمل؟ أم هل تميل النفوس إلى الدَّعة والترَف والراحة بدل مجابهة الأخطار نصرةً للدين؟
فكيف يحدث هذا؟ ولماذا؟ وهل نحن أمام واقعٍ مُزْرٍ اختص به زماننا، أم أننا أمام سنة من سنن الله، لا بد أن نحتاط لأنفسنا حيالها، ونستعد بكل ما أوتينا من قوة حتى لا نكون الضحية القادمة؟
نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن السلب بعد العطاء.
إنها سنة الابتلاء والتمحيص، وما أدراك ما سنة الابتلاء والتمحيص؟ يقول الله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢-٣]
ومن أكثر القصص التي تظهر فيها هذه السنة الإلهية، مما ذكره القرآن، قصة طالوت مع جنده. فقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يجعل لهم ملكًا يقاتلون معه العمالقة الذين يقودهم جالوت. ومن هنا بدأ الابتلاء والتمحيص؛ ليبتلي الله قلوبهم، ويميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب.
فكانت تصفية بني إسرائيل المطالبين بالجهاد على أربع مراحل.
ففي المرحلة الأولى تولى أكثرهم بعد ما فُرض عليهم القتال، ولم يبقَ إلا قليل، قلة وفت بوعدها، وهم الجنود الذين خرجوا مع طالوت بعد الجدال والعناد حول أحقيته بالملك والقيادة، إلى أن رضوا في الأخير بعد وقوع علامة الله باختياره واصطفائه.
كانت هذه بداية الابتلاء، لينتقل الامتحان إلى مستوى أعلى، حيث ابتلاهم الله بنهر وهم في حالة من العطش. قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ الآية.
وبهذا فقدَ طالوت غالبية الجند. قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف.
إنها عملية الغربلة والاصطفاء؛ فلكل مرحلة رجالها، ولا يثبت في اللحظة الحاسمة والمعركة المصيرية إلا صفوة الصفوة.
وتمضي القلة مع طالوت، وعينها على المعركة، لكنّ هناك امتحانًا آخر أشد وأقسى؛ إذ لم يكن الصف قد تخلص بعد من كل خبثه، ولا بد من حرق جديد يحيل المعدن ذَهَبًا خالصا لا تشوبه شائبة.
فعندما رأت تلك القلة كثرة الأعداء وقوتهم وعدتهم وعتادهم؛ خارت كثير من العزائم، واضطربت النفوس، وتزلزلت القلوب، وهاب قسم منهم خوض المعركة. قال الله تعالى يصف حالهم:
﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ الآية.
وهؤلاء لم يكونوا من أهل اليقين، على الرغم من أنهم تجاوزوا الامتحانات السابقة، إلا أنهم أخفقوا هذه المرة، ودب فيهم الجبن والخوف، فلم تترسخ في قلوبهم حقيقة نصرة الله للفئة المؤمنة التي تنصره وإن كانت أقلية. قال تعالى:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الآية.
وفي المرحلة النهائية من التمحيص والابتلاء، وقبل أن يخوض طالوت مع جيشه المعركة المصيرية، حدث فرز جديد وإعادة ترتيب للصف؛ فلم يبقَ معه إلا من صدقت قلوبهم مع الله، وارتبطت أرواحهم بالغاية التي ارتضاها لهم. قال الله عز وجل محدثًا عنهم:
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الآية.
من خلال هذه القصة العظيمة المليئة بالدروس والعبر، ندرك أنه من السهل ادعاء الصلاح والظهور بزي الصالحين، ومن رحمة الله وعدله أن جعل فيهم سننًا لا تخطئ تمضي على الجميع، منها سنة التمحيص، حيث لا يثبت معها إلا من خلص لله تعالى؛ كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فئة لا تتخلى عن مبدأ، ولا تتخلف عن المسابقة بالخيرات، لا تتطلع لدنيا ولا منصب أو جاه أو حب ثناء، أجسادها في الأرض وأرواحها تحوم حول العرش. يبحث أهل الدنيا عن سمعة في دنياهم، بينما سمعتهم التي ارتضوها لأنفسهم بين أهل السماء.
فكيف نكون من القلة المؤمنة، والفئة الخالصة المخلصة، التي تتحمل مشاق الطريق وشدة الضغط بين طواحين الحياة؟
لا شك أن البداية تكون من تزكية النفوس، وتخليص القلوب من أدوائها، بكثرة المجاهدة، ولزوم الدعاء لله عز وجل؛ فهو القائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦۹]
وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢۸) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢۹)﴾ [التكوير: ٢۸-٢۹]
فاللهَ اللهَ في قلوبكم؛ حافظوا عليها كما تحافظون على أغلى ما عندكم، بل وأكثر؛ ففيها ملاك الأمر كله، وهي موضع نظر الرب جل وعلا.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (۸۸) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (۸۹)﴾ [الشعراء: ۸۸-۸۹]
إنّ الثبات على المبادئ مذهـــبٌ
طول المدى من سالف الأزمـــان
وعقيدةٌ أَلِفَ الرجالُ رسوخَـــهـا
لا خير في متقلّب الألـــــــــــوان
حيث الرياحُ تميلُ مال بِصـفّــها
أو حيثُ ترجحُ كفّةُ الميــــــزان
إنّ الحياة مبادئٌ وعقيــــــــــدةٌ
تغدو بهِنّ قويَّة الأركـــــــــــــان
فاربأ بنفسك عن متاهات الردى
فالعمرُ يمضي والحياة ثوانــــي
إنّ الحياةَ مبادِئٌ وعقيــــــــــدةٌ
لهُما أساسٌ قوّةُ الإيمـــــــــــــان










