طريق الولاية

|

طريق الولاية؛ «إنّ اللهَ قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه، وما تَرَدَّدتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُه تَرَدُّدي عن نَفسِ المُؤمِنِ؛ يَكرَهُ المَوتَ، وأنا أكرَهُ مَساءَتَه». صحيح البخاري.

هذا الحديث، كما يقول ابن تيمية رحمه الله، هو أشرف حديث رُوي في صفة الأولياء؛ فقد اشتمل على معانٍ عظيمة وفوائد جليلة. وقد تحدث العلماء عن تلك المعاني، فعرّفوا الولي لله، ودرجات الولاية، وحرمة معاداة أولياء الله، وآثار محبته سبحانه وتعالى لهم.

وهذا الحديث من أكثر الأحاديث التي تجذبني وتشدني معانيه؛ لأنه يرسم خارطة الطريق إلى الله، فيبيّن معالم هذا الطريق، ويبرز حدوده ومحطاته؛ حتى يبدو جليًّا في عين كل مشتاقٍ لربه، سائرٍ إليه، مريدٍ له. فلا يفصله عن منازل المقرّبين ومقامات الصدّيقين إلا أن تكون له نية صادقة، وهمّة محرقة، وبداية مشرقة، ثم عزيمة على تحمّل أعباء المجاهدة من علائق النفس وعوائق الطريق.

وما دام السالك إلى الله على ذاك الحال؛ فقد أوشك أن يبلغ المنزل، وتتنزّل عليه رحمات ربه وألطافه، ويُفتح له من المعية والتأييد والرعاية والتوفيّق ما يجد حرَّه في صدره، وحلاوتَه في قلبه، وبريقَه في عينه، ونعيمَه في حركاته وسكناته، وخفّة لروحه يجد أثرها في جسده.

ومن حبي لهذا الحديث، فكثيرًا ما تأملته محاولةً إسقاطه على واقع الناس؛ فمن منا لا يريد أن يكون ذلك الوليّ المقرّب الموصوف في كتاب الله بخصلتي الإيمان والتقوى؟ فغاية كل محب أن يبلغ من المحبة والحفاوة به من محبوبه ومعبوده ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى: «فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه…».

لكن على الذين يرغبون في سلوك الطريق الولاية أن يتحلّوا بكثير من الحكمة والصبر؛ فبدون بصيرة سيكون سعيهم هباء، ولن يصلوا إلى شيء. فالله تعالى ينبّهنا في مطلع الحديث إلى أمرٍ مهم جدًّا قد يغيب عن كثير من الناس، وهو قضية ترتيب الأولويات.

وكأنه سبحانه وتعالى يخبرنا: يا عبادي، تريدون نيل محبتي ومعيتي؟ فعليكم فعل ما أحب. فالمحبّون يتقرّبون إلى محبوبهم بما يحب، وليس هناك شيء يتقرّبون به إليّ أعظم مما افترضتهم عليه من أداء الواجبات وترك المنكرات.

فهذه أول خطوة على كل سالك إلى الله أن يعتني بها غاية الاعتناء، فلا تأخذه حماسته إلى ما بعدها من الخطوات وهو مقصّر في هذه. فدليل الصدق في الطلب أن يسلك السالك الطريق الذي يوصله إلى مطلوبه، وألا يشقّ بسفينته طريق الصحراء؛ فالسفينة لا تجري على اليبس.

وفي واقعنا كثيرًا ما نرى ممن حملوا شعار الالتزام والسعي إلى الله تقصيرًا فيما هو مطلوب منهم، بينما يجتهدون ويتنافسون فيما هو غير مطلوب منافسةً واجتهادًا قد يؤثران على حسن أداء الفرض والواجب؛ فيحيدون بذلك عن طريق السالكين إلى الله من حيث لا يشعرون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

  • والأمثلة في ذلك كثيرة؛ كأن تغادر المرأة بيتها ضاربةً في الأرض تسعى لكسبٍ تدعم به زوجها في المعيشة والنفقة، وترى في ذلك عملًا مهمًّا من أعمال البر والخير، وأن تكون السند لهذه الأسرة والذراع الأيمن لها، وهو في الحقيقة عمل غير مطلوب منها ولا مسؤولة عنه عند الله، وقد يؤثّر على واجبها كأمٍّ وزوجةٍ وراعيةٍ لبيتها، وهذا هو المطلوب منها والمسؤولة عنه عند ربها.
  • فالمسلمة التي صدقت في سعيها نحو خالقها، ورغبت في أن تبلغ مقام الولاية الذين تغشاهم محبته؛ ستفعل حتمًا ما يريده عَزَّ وَجَلّ، وليس هناك شيء تتقرب به إليه أعظم مما افترضه. ومما افترضه سبحانه وتعالى على النساء: حسن تربية أبنائهن وإقامتهم على حدوده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والمَرأةُ راعيةٌ على أهلِ بَيتِ زَوجِها وولَدِه وهي مَسؤولةٌ عنهم…».
  • ومن الأمثلة كذلك أن نرى من الدعاة من يصول ويجول في دعوته، محاضرة هنا وخطبة هناك، ومنشورات وجدال وتعليقات ومتابعات في مواقع التواصل الاجتماعي، بينما بيتُه يشتكي غيابه، وأبناؤه متعطشون مفتقدون لجلساته؛ حتى دبّ إليهم التقصير والغفلة، أو ربما صار ينظر إليهم كعبءٍ عليه في طريق الخير والنجاح.

فكيف يطلب أمثال هؤلاء معية الله ومحبته وهم مقصّرون في أوجب واجباتهم؟ والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم – ٦]

فهل يُعقل أن يسعى من يسعى لإصلاح الناس وهو غافل عن أهله، وهم أول من يُسأل عنهم؟

  • ومن الأمثلة؛ أن يؤثر الأبناءُ ما هم عليه من أعمال البر من قراءة قرآن أو صلاة أو دعوة على بر آبائهم عند الحاجة، ولا يجدون وقتًا لتلبية نداء والديهم من مساعدة أو قضاء حوائج أو برٍّ بهم في أمر من أمور الدنيا؛ بحجة ضيق الوقت أو الانشغال بالدراسة وطلب العلم أو الدعوة.

والأصل أن من أراد اللهَ سبحانه وتعالى تقرّب إليه بأحب العبادات إليه، وليس هناك أعظم من أن يبرّ الابن أمَّه أو أباه وقت حاجتهما إليه.

وغير هذا من الأمثلة كثير، مما تُقدَّم فيه النوافل ويُجتهد فيها اجتهادًا يفوق الاجتهاد والحرص على حسن أداء الفرائض؛ فيؤدي ذلك إلى انحراف عن أهم مقومات السلوك إلى الله رغبةً في نيل محبته وولايته.

ومن هنا، فعلى كل محب ومشتاق لتلك المقامات المذكورة في حديث الولاية، أن يتجرّد لله وحده، ويتقرّب إليه بما افترضه عليه وما هو مطلوب منه أولًا، ثم يشقّ طريقه ساعيًا في بذله، مجتهدًا في مختلف أعمال البر اجتهادًا لا يؤثّر على فرائضه وأولوياته. حينها ستتنزّل عليه البركات، ويبدأ في تذوّق ثمرات المحبة والمعية كلما زاد سعيه وسيره، حتى يصل إلى درجات متقدمة من العبودية لله رب العالمين.
نسأل الله من فضله.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة