حرمةُ دم المسلم: بينَ غزوةِ مؤتة واليوم

|

حرمةُ دم المسلم: لم تكن غزوة مؤتة مجرّد واقعةٍ عسكرية تُسرد في كتب السيرة، بل كانت لحظةً فارقة، تُكتب فيها معاني العزّة بمداد الدم، وتُقام فيها موازين الكرامة على أساسٍ لا يتبدّل: أنّ دم المسلم عزيز، لا يُترك، ولا يُنسى، ولا يُساوَم عليه.

رجلٌ واحد… رسولٌ أعزل، قُتل ظلمًا.
فاهتزّت المدينة، ولم يُنظر إلى الحدث على أنّه حادثٌ عابر، بل على أنّه اعتداءٌ على كرامة أمةٍ كاملة، وعلى أنّه جرح في جسدها.

فخرجت ثلاثة آلاف نفس، تحمل في صدورها معنى واحدًا:
أنّ الكرامة لا تُقاس بالكثرة، وأنّ الدم إذا هان، هانت معه الأمة.
ثلاثة آلاف خرجوا، لا لفتحٍ ولا لغنيمة، بل لأنّ دم موحد مسلم قد سُفك…
ثلاثة آلاف في وجه مئات الآلاف، ومع ذلك لم يقولوا: “نحن قلة”، ولم يقولوا: “الوقت غير مناسب”.

وقفوا أمام جموعٍ لا تُقارن عددًا ولا عدّة، وسقط القادة تباعًا: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة…
لكن المعنى لم يسقط، بل كان واضحًا:
فالمسلم ليس رقمًا،
و دمه ليس خبرًا عابرًا،
و الأمة إن سكتت عن دمٍ واحد، فقدت روحها.

  • قال الله تعالى:
    ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فكيف إذا كانت نفسُ مسلم موحد يشهد أنه لا إله إلا الله.
  • وقال سبحانه:
    ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾
  • وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
    “لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم”
  • وقال أيضًا -عليه الصلاة والسلام- في خطبة الوداع:
    “إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام…”

وهذه ليست مجردَ نصوصٍ تُتلى فحسب، بل حدودٌ تُرسم، وأصولٌ تُبنى عليها الأمة.

أما اليوم؛

لم يعد الحديث عن رجلٍ واحد،
بل عن آلافٍ من الأسرى، وعن دماءٍ تُراق، وعن مشاهد تتكرّر حتى كادت تُطفئ في القلوب أثرها.

لا نتحدث عن رجلٍ واحد،
بل عن آلاف… آلاف من الأسرى يُساقون إلى مصيرٍ مظلم ظالم موحش.

لكنّ الحقيقة التي لا ينبغي أن تُغيب:
أنّ حرمة الدم لم تتغيّر، وأنّ الجريمة تبقى جريمة، مهما تكررت.

و السؤال الذي يُؤلم:
هل ما زال فينا ذلك الإحساس الذي حرّك ثلاثة آلاف لأجل واحد؟
أين الأمة؟!
أين ذلك الشعور الذي جعل جيشًا يتحرك لأجل مسلم موحد واحد؟!
أين غيرة الأمة التي لم تحتمل أن يُقتل منها واحد؟!

ففي مؤتة، لم تكن الموازين حسابية، بل كانت إيمانية.
أما اليوم، فقد غلبت الحسابات، وغاب الشعور، وصار الدّم رقمًا في نشرات الأخبار.

إنّ الفرق بين الأمس واليوم ليس في قوةِ العدو،
بل في حياةِ القلوب.
ففي مؤتة، كان المسلم يرى أخاه امتدادًا له،
أما اليوم، فقد تباعدت القلوب وقست حتى صار الألمُ يُرى ولا يُحسّ، واختلفت الموازينُ واختلت، ولم يعد الحقّ والباطل هو الميزان، بل كيف يرضى عنّا الغربُ الكافر الفاجر المفسد في الأرض، والحقُ في قوله سبحانه: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة: الآية 120]

مؤتة ليست قصةٌ تُروى، بل مرآة نرى ونَبكي فيها حالنا وهواننا.
نسأل فيها أنفسنا:
هل ما زال دمُ  إخوتنا مقدّسًا في قلوبنا كما كان؟
أم أنّنا فقدنا شيئًا من تلك الروح التي كانت ترى في دمٍ واحدٍ منها قضيّة أمة؟

بينَ مؤتة واليوم…
يبقى الميزانُ واحدًا لا يتبدّل:
أن ّالدمَ إذا هان، هان كلُ شيءٍ بعده.

اللهم إنا نستودعك إخواننا الأسرى، فاحفظهم بحفظك، وكن لهم وليًا ونصيرًا.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة