﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي
السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
— سورة لقمان، الآية 16
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾… ولو كانت في صخرة¹
أي: هذه الحبة الصغيرة، حبة الخردل، سواء كانت في صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، في أيِّ مكانٍ كان — ولو في موضع يستحيل أن تطأه قدماك يومًا — فماذا؟
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
يأتي بها الله إليك.
وأقربُ مثال لذلك: حبة سكر.
تخيّل معي: هذه الحبة الصغيرة قد تأتيك من مغارب الأرض وأنت في مشارقها؛ لماذا؟
لأنها كُتبت لك أنت وحدك، كُتب عليها أنّها لفلان بن فلان، وطريقة حصولك عليها مقدَّرة.
ثم بعد ذلك…
نقلقُ لفواتِ ما لم يكن لنا، ونحزن على ما مضى وظننّاه نصيبنا، ونُكثر الحسابَ لما هو آتٍ وما هو رزقنا!
فما آن لنا أن نطمئن بأنّ من رزقنا كفانا ما خلق؟
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
الله وحده من يأتيك بها، وهو وحده المتكفّل بأمرك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
قلتها سابقًا وأقولها الآن مرة أخرى: تأسرُني دائمًا نهايات الآيات بأسماء الله؛ ففيها إعجاز عجيب، وفيها من البلاغة والطمأنينة ما يُسكّن القلب.
لطيفٌ بك؛ فيأتيك برزقك من حيث لا تحتسب، من الصّخر، ومن السّماء، ومن أبعد بقعةٍ في الأرض.
خبيرٌ بحالك؛ يعلمُ خفايا قلبك، وأعمقُ ما في كيانك، ويعلم ما يَصلح لك وما لا يصلح.
بينما أنت الآن جالس تعدّ الحسابات، وتحمِل همَّ رزقك، ومأكلك، ومشربك، وملبسك، وحلمك يا أخي…
الله ربك، حبيبك، يدبّر أمرك.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾
أيُّ أمر؟
كلُّ أمورك وما يقلقك.
فهناك، في بقعة ما، من يزرع القطن ويرعاه، ثم من ينسجه، ثم تقع أحداث كثيرة حتى يصل إليك لباسًا يستر عورتك ويقيك سوءتك.
فهل تؤمن يقينًا يا أخيّ أن تلك القطنات كان مكتوبًا عليها اسمك أنت وطريقة وصولها إليك؟!
وهناك من زرع القمح، ومن أوكل إليه حصاده، ثم من ينقله أو يستورده، ثم يقع في يد البائع، ثم يصل إليك خبزًا تأكله… أو يصل إليك بأي طريقة كانت…
وكل ذلك ليصل إليك ما كُتب لك.
فاطمئن…
فما كُتب لك سيأتيك، ولو كان في صخرةٍ،
وما لم يُكتب لك فلن تناله، ولو كان بين يديك.
باللهِ آمنتُ وعليه توكلت.
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾… ولو كانت في صخرة²
ولأنَّ بعضَ الآياتِ – يا صديقي – تَحِنُّ عليك بإذنِ ربِّها، وتفتحُ لك بعضَ أبوابِها، كان حقًّا عليك الولوجُ فيها.
وهذه الآيةُ أمسكتني من رداءِ قلبي، فخضعَ للإبحارِ فيها عقلي.
تأمّل معي – يا أخي – هذا الترتيبَ البلاغيَّ المهيب:
﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة لقمان – الآية ١٦]
“في صخرة”:
أي شيءٍ مخبوءٍ داخل صخرةٍ صلبة، وهو موضعُ خفاءٍ شديدٍ جدًا.
“في السماوات”:
أي في مكانٍ بعيدٍ، من العسير – بل من المستحيل – الوصولُ إليه.
“في الأرض”:
أي في أيِّ مكانٍ منها، مهما اتّسع أو خفي.
إنها أشدُّ مواضعِ الخفاء التي يمكن أن يتصوّرها الإنسان، وربما لو عاش عمرَه كلَّه ما استطاع أن يطأ كلَّ شبرٍ فيها.
ثم جاءت النتيجةُ الحاسمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
يا رباه!
يأتيني بها أنا؟ أنا العبدُ الفقير، وهو الجليلُ العظيم!
كأن المعنى:
لا خفاءَ يمنعها، ولا بُعدَ يحجبها، ولا استحالةَ تُعجزُ ربَّها؛ لأنه ببساطة ربّي وربُّها.
أولًا: الصخرةُ المخفية،
ثم: السماواتُ البعيدة،
ثم: الأرضُ الواسعة…
ومع ذلك جاء الجوابُ الحاسم:
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
كلُّ شيءٍ – مهما استحال الوصولُ إليه أو خفي – فاللهُ قادرٌ على إيصاله إليك.
﴿مِثْقَالَ﴾
هذه الكلمةُ تطربُ القلبَ قبل السمع؛ بليغةٌ… بليغة.
في قوله تعالى:
﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾
السِّرُّ في كلمة “مثقال”:
لم يقل الله: “حبة خردل” فقط، بل قال:
﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾
أي: وزنُ حبةِ خردل.
وهذا أدقُّ من مجرد ذكر الحبة نفسها، لأن المعنى يصبح:
حتى لو كان الشيءُ بوزنِ حبةِ خردلٍ فقط – أي في غايةِ الصغر –
ولو كان مخبوءًا داخل صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض…
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
جمالُ هذا التعبير:
كأن الآية تقول:
ليس فقط الأشياءُ الصغيرةُ،
بل وزنُ الأشياءِ الصغيرةِ جدًا لا يضيع عند الله.
ولهذا جاء مثلُ هذا التعبير في مواضعَ أخرى، كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
أي: حتى أصغرَ وزنٍ يمكن تصوّره.
معنىً عميقٌ في الآية يجعلك تشعر بطمأنينةٍ عظيمة، وسكينةٍ لا مثيل لها؛
فكأنها تقول:
رزقُك لا يضيع، ولو كان قليلًا.
عملُك لا يضيع، ولو كان صغيرًا.
دعوتُك لا تضيع، ولو كانت خفية.
دمعتُك لا تضيع، ولو لم يرها أحد.
فكلُّ شيءٍ… مهما دقَّ، وصغر، وخفي…
لا يضيع عنده، ولا يخفى عليه.
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
ومن جمال التعبير تقديمُ “بها”:
فلم يقل: “يأتي الله بها”، بل قال:
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
وفي ذلك عنايةٌ بالشيء نفسه؛
أي: هذا الشيءُ الصغيرُ الذي تتحدث عنه… يأتي به الله بعينه.
لا يضيع، ولا يُنسى، ولا يُستبدل.
وهو معنىً يطمئن القلب ويُذهب الهمّ.
ولهذا فالآية لا تتكلم فقط عن العلم، بل عن الوصول والإيصال:
ما كُتب لك من رزقٍ سيأتيك،
وما عملتَه من خيرٍ سيأتيك ثوابُه،
وما وقع عليك من ظلمٍ سيأتيك حقُّك فيه.
ولهذا خُتمت الآية بـ:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
لطيفٌ: يصل علمُه وقدرتُه إلى أدقِّ الأشياء.
خبيرٌ: يعلم خفاياها ومكانها وحقيقتها.
فاجتمع العلمُ الدقيقُ والقدرةُ التامةُ.
فاعلم – يا عبدَ الله – أن لك ربًّا لا مثيل له، يرعاك، ويكفيك سوءَ الأحوال.
والحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب.










