رسالة من قعر الفقد تطفو
هل جربت يومًا الذهاب إلى المقابر؟
مقابر يضم ترابها شخصًا عزيزًا على
قلبك؟
ستغرق أنت في بحر عينيك، وتتمنى أن تتنفس، فلا يسعفك كل ما في الأرض من هواء.
ستحاول أن تتلفظ بكلمة، لكن حنجرتك ستبتلع كل الكلمات، وتجهش بالبكاء.
بكاء يقطع نياط القلب…
عندها ستجثو روحك قبل أن تخونك قدماك، وتتهاوى.
في تلك اللحظة، حتى وإن كان من بجانبك غطاسًا ماهرًا، لا يستطيع الغوص في عينيك وإخراجك من قعر الفقد، حتى وإن كان غارقاً مثلك.
الله وحده القادر على ذلك…
تسأل نفسك: كيف يدفن الأخ أخاه، والمحب حبيبه، والأب أولاده؟
وحدهم من فقدوا أحبتهم يجيبونك عن ذلك…
لا أحد يدفن من فقد تحت التراب،
إنهم في قلوبنا ينبضون بالحياة.
لقد زرعناهم في أكبادنا، وأسقيناهم من ماء المقل.
وحدها أجسادهم في المقابر،
أما أرواحهم فهي في حواصل طير خضر، تسرح وتمرح في الجنة، تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها وتبيت في قناديل معلقة تحت عرش الرحمن بإذن الله.
يسقط شهيد هنا، ويرتقي إلى سماوات ربي، ونكاد نُصعق من هول الفاجعة، حتى إن أعتى الرجال يفقدون تعقلهم في تلك المواقف.
لكن سبحان من ربط على قلوبنا، وأفرغ علينا صبرًا.
وإلا بالله عليك، قل لي: مَن يبقى عاقلًا بعد أن يرى أخاه الجبل الشامخ، البطل الهمام، فارع الطول، الصنديد المغوار، في أكفانه، بعد أن كانت الحياة تدب فيه، ويملأ الأجواء بصوته الجهور الصاخب؟
وهم يحملونه على الأكتاف، لا حول له ولا قوة.
أقسم بعزة جلال الله، كل الدنيا وزخرفها وزينتها وبهرجتها، وجميع نعيمها، تتهاوى أمام ناظريك، وأنت ترى ذلك المسجّى بين يديك.
كل شيء يصغر في داخلك، وحده الحزن كبيرٌ، وكبيرٌ جدًا.
تئنُّ من وقع الفاجعة، وتكاد تُسحق تحت أنياب المصيبة، فتنتشلك:
{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }
فتسترجع، وتؤمن وقتها حقاً: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كلنا له راجعون.
إننا جثث مؤجلة، ماشية على وجه الأرض، وعندما تحين ساعة الرجوع، سنرحل…
طبعًا أنا لا أعلم كيف هو الموت،
لكنني أعلم أنه طين يعود إلى أصله،
وأن السرّ كله في تلك الروح،
التي إما أن تسمو، أو تهوي.










