يكون في يدك… ويقسمه الله لغيرك. تقول الجدّات العجائز، ومن على شاكلتهنّ من عامة الناس الذين عرفوا الله بصفاء الفطرة ويقين القلب:
“تبقى في إيدك وتتقسم لغيرك”.
وهنا بلاغةٌ رهيبةٌ في الوصف، سبحان ربي؛ عبارةٌ عابرةٌ في ظاهرها، عميقةٌ في معناها؛ إذ تُصوّر لك الشيء وهو بين يديك، حتى لكأنّك تلمس امتلاكه لمسًا، وتطمئن إليه اطمئنان المالك لما يملك، بل ربّما ملكته بالفعل وصار رهين يديك، ثم – في غفلةٍ من الشعور – ينفلت من بين أصابعك، ويؤول إلى غيرك.
وهنا يحضرني صدى قول ربّنا جلّ جلاله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
ويقولون في المثل المصري الشهير:
“تبقى على بُوقك وتتقسم لغيرك”،
فتكون اللقمة على مشارف الفم، وقد استقرّ في نفسك يقين امتلاكها، فإذا بها تُصرف عنك، ويقضي الله أن تكون لغيرك؛ لا لأنك فرّطت، ولا لأنك قصّرت، ولكن لأنها – من الأصل – لم تكن لك، ولم تكن لتكون أبدًا.
تلك تعبيراتٌ فطريةٌ، لم تُصغها المدارس، ولم تُنمّقها الكتب، وإنما خرجت من قلوبٍ خَبِرت الحياة، ولامست تقلباتها، فوعت معنى التسليم، وألِفت الرضا، وعرفت أن الأمر كلّه لله.
اعتادت مسامعي سماعها، وحضور مواقفها، وأنا أردد بعدها: سبحان المدبّر.
كم من أمرٍ هيّأت له نفسَك، وبذلت له وسعَك، وأعددت له أيامَك، حتى إذا ظننت أنّك بلغت منه مبلغًا، تسلّل من بين يديك تسلّل الماء، واستقرّ في يد غيرك!
وكم من حلمٍ نسجت حوله آمالَك، وأقمت عليه بناء مستقبلِك، حتى إذا قاربت الوصول، إذا بالريح تأتي بما لا تشتهي السفن، فينهار كلّ شيءٍ في لحظةٍ خاطفة.
والعجيب – بل المؤلم – أن يكون المرء أحيانًا سببًا في وصول ما أحبّ إلى غيره، وهو يظنّ أنه يسوقه إلى نفسه!
أعلم أن شعور الخيبة مريرٌ إن وقع هذا بغير طيب خاطر، ولكن اعلم أن شعور التسليم لا يفوقه شعورٌ.
مثل هذه المواقف لا تقع عبثًا؛
بل قد يُقدّرها الله ليغرس فيك التوكل الخالص، ويُجرّد قلبك من التعلّق، ويكسر فيك وهم الاستحقاق، ويعيدك إلى الحقيقة الكبرى:
أنّ المدبّر واحدٌ، وأنّ الأرزاق تسير إلى أهلها، لا تُخطئهم، ولو دارت بها الدنيا،
وأنه وحده يأتيهم بها، وقد تكون أنت فيها سببًا أو متفرجًا، لحكمةٍ ما، وعظيم تدبيرٍ.د
حينها، يقف الإنسان ذاهلًا مبهوتًا، شاخص البصر، بين طريقين:
إمّا أن يُسلّم فيسكن، أو يعترض فيتعب…
وفي كلا الطريقين يمرّ بالألم، غير أنّ أحدهما يُنضج، والآخر يُنهك.
وبالله كلّ شيءٍ يكون، سبحانه وتعالى عمّا يصفون، ما أعظم تدبيره، وما ألطف خفيّ حكمته.










