مذكرات نسوية تائبة (٦) أشياء غريبة بدأت تحدث في المدرسة.
لم أكن وحدي مَن يتحدث إليّ… كان هناك مَن يوجّهني دون أن أشعر. بعد خلع الحجاب، لاحظتُ وُدًّا ظاهرًا من بعض المعلمات والطالبات المسيحيات… لكن خلفه كان شيء آخر. لم أفهم حينها عمق ما يحدث، حتى أدركتُ أن كل شيء داخل المدرسة كان يسير باتجاه واحد.
أتذكرون عندما أخبرتكم بأن الأخصائيات الاجتماعيات حاولن إقناعي بالحجاب؟
لكن ما لم أخبركم به وقتها، أنه داخل تلك الغرفة، وأثناء تجمع الأخصائيات حولي وحديثهن معي..
ظهرت معلمة مسيحية، وقالت لي: “لماذا تريدين إظهار شعرك؟ لماذا لا ترتدين الحجاب مثل البقية؟ عليكِ ارتداؤه”.
هذه المعلمة، منذ أن قمتُ بخلع الحجاب، رأيتُ لها وجهًا آخر مختلفًا -بالكامل- عن وجهها الذي أراه مع بقية المسلمات!
منذ اليوم الأول، بدأت تقترب مني..
بدأت أدرك أنها ذات وجهين؛ تُظهر للمعلمات والطالبات المسلمات ما تُبطنه (ويظهر أمامي بوضوح)، فهي تتحدث معي باطمئنان تام!
أتذكرُ ذلك اليوم كأنه البارحة، عندما قالت كلامًا صاعقًا…
هي تُظهر للآخرين وُدًّا، لكن معي تُظهر وجهها الحقيقي، تقول إن “الحجاب ليس مقياسًا للأخلاق”، ثم بدأ الغضب يتصاعد على وجهها إلى أن وصفتِ المنتقباتَ بـ”السفالة”، قائلة إنهن “يُظهرن ما لا يُخفين”.
ولأنني كنتُ رقيقة الديانة، ولا أغار على ديني، فلم أكن رَدِّي عليها الردَّ الذي يليق بها.
لم أكن أرى تناقضَ الكلمات… لأنني كنت أبحث عمّن يؤيدني فقط.
وبداخل معمل الحاسب الآلي، لم تكن المعلمة معنا.
وبجانبي صديقتي “يوستينا”، وبجانبي صديقتي الأخرى المسلمة…
وكانت تنصحني بارتداء الحجاب، بكل لطفٍ وودّ، وبنبرةٍ طيبة لا يشوبها أيُّ شائبة.
فوجدتُ يوستينا تنظر إليها بجدية، وتَتَبَجَّحُ فيها قائلةً: “الحجاب حرية شخصية”، رغم أنني لم أطلب رأيها!
بمرور الأيام، بدأت أشعر أن ما يحدث حولي -ليس عشوائيًا كما كنت أظن… إنهن يشتركن في أفكارهن وما يعتقدنه حقًّا.
وكأن كل شيء يُرتَّب لي لأرى صورةً واحدة فقط.
لم أكن أدرك ذلك حينها…
إلى أن جاء موقفٌ واحد، بعد مرور عام على خلع الحجاب…
جعلني أتوقف قليلًا، ولو للحظة.
جاءت المعلمة المسيحية إلى الورشة مبتسمةً، وعلى وجهها أماراتُ السعادة. استأذنَت من المعلمتين، وأخبرتهن أنها تريدني في أمر.
خرجتُ معها من الورشة، وأخبرتني بسرورٍ جَمّ: “هل تعلمين أن هناك فتاة مسلمة أخرى -بداخل المدرسة- غير محجبة؟”
فقلتُ لها: “حقًا؟ هي مسلمة؟”
قالت لي: “نعم، تعالي لترينها بعينيك”.
فذهبتُ معها إلى ورشةٍ أخرى، ورأيتُ فتاةً وحيدة غير محجبة وسط الجميع.. (مثلي تمامًا). ثم خرجنا.. قالت بفخر: “أرأيتِ؟”
لم أدرك حينها أن هذه المعلمة تحاول تثبيتي على ضلالي! مع أنني لم أرَ مثلَ تصرُّفها من مسيحيات أخريات، لكن موقفها هذا كان له تداعياته في نفسي بعد حين..
وما إن رأيتُها، تلك الفتاة الكاشفة، حتى شعرتُ وكأنني وجدتُ انعكاسًا لنفسي… فامتلأ قلبي بأملٍ أنني لستُ وحدي، وأن ما أؤمن به يمكن أن يمتد.
لكن ذلك الأمل كان هشًّا… تفرَّق كالغبار في الهواء.
تُرى، ما الذي حدث؟










