سيدتي هاء، عزيزتي الطيبة، عسى حرفُكِ بخير، فإنه أنيسي.
وبعدُ..
أَدنِي لِي سَمعَ قلبكِ؛ فالبوحُ عند مِثلي كصعود الجبال، وقد أغفلتُه طويلًا لأبوحَ لكِ بما يُعَثِّرُ نفسي، فإن خفضت كلماتي أصواتَها فالتمسي لها العُذر.
ثُمَّ..
أَخُطُّ إليكِ حُروفي هذه وأنا بين ظلمات ثلاث… لا، لا، ليست ظلمةَ القبر، أم أنها كذلك يا هاء؟
يَلْتَهِمُني قبرُ الذكريات، وتَسلَخُني مرارةُ الندم، وأنا ورقةٌ صغيرة في مهبِّ الريح، تَذروها رياحُ الأيام حيث تشاء، وتُقلبها ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال.
عزيزتي هاء، أرجو ألَّا تكون الصدمة قد اعتلت ملامحكِ وقد صرت أتحدث مثلكِ؛ فهكذا الحُب، وهكذا التأثير… وثُم، لم أقل إني أحبكِ، هِه.
أنا يا سيدتي هاء، تلفني ظلمة الليل البارد الكئيب، وليلي ليس كليل الجميع؛ فليلي بلا سماء، ولا نجوم، ولا قمر يطل عليّ بسَمَرٍ عَجُول.
أما ظلمتي الثانية، فهي ظلمة العَمَى. قد تتساءلين: أيُّ عمًى؟ لا أدري، أهو عمى قلبي أم عقلي التائه أم روحي العالقة؟ لكنّ ما أدريه أنني أنتظر القميص… قميصَ الجبر والعودة، لأَرْتَدَّ بصيرةً، وأنسى شهيرة — ههه، لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.
عذرًا، إن المزاحَ لمن هم مثلي رداءٌ لا بد منه، نتخذه قناعًا لا ينثقب، يوهم نفوسنا قبل محدِثينا أننا بخير… يا لنا من بائسين!
وأما الثالثة — وما أدراك ما الثالثة — فهي ظلمة السجن. إني سجينةٌ يا آنسة هاء… سجني عليل، وحَره ثقيلٌ، وحيطانه تجثو على قلبي. أنا سجينة ضَياعي، وهوايَ، ويأسي، وذكرياتي. نسيتُ شمسَ الأمل، وهواء بحر السرور، فالحزن قابع أمامي الآن، كحارس باب السجون المُلازم.
سيدتي هاء، حتى العزلة لفظتني، ونفسي نسيت التعبير، وتأبى الانهيار؛ تتنازعني، وتتعبني مرتدية حلة الانهيار والصمود معًا. ولبحر عينَيَّ مغلقة السبيل؛ لِمَ لا تتركه يفيض؟ لعل ماءَ دَمعِه يغسل فؤادي، وبريحِه يطيبُ.
عزيزتي، العزيزة هاء، أعتذرُ إليكِ عن حروفي المبعثرة، كبعثرة دواخلي، ولكني رغم ذلك خططتها بنزيف قلبي وجِراحي.
سيدتي هاء… هل لمن مثلي نجاةٌ؟ هل لآخر النفق ضوء حقًا؟ خاصةً لمن اعتاد أن تصفعه البدايات قبل النهايات.
أرجوكِ، أَجيبيني..
الثانية بمنتصف الليل
لا توقيت… بتوقيت قلبي
من فتاة على جرف الهاوية
التوقيع: عزيزتكِ “نون السقيمة”










