ستر الوجه بين الفرضية والاستحباب:
تمهَّلي قليلًا ما كتبت هذا لنختلف؛ كانت النَّساء في زمان النَّبي ﷺ قبل نزول آية الحجاب لا يغطين وجوههنَّ وعندما أنزل الله آية الحجاب يُقال من شدَّة حرصهنَّ على تأدية أمر الله شققن مروطهن واختمرن بها (المروط هي أكسية غير مخيَّطة مصنوعة من الصوف أو الكتَّان)، أي: غطُّوا وجوههنَّ؛ لم يستروا رؤوسهنَّ فقط، يدور في خلد الكثيرات أنَّ العلماء اختلفوا في ذلك، طيب لماذا تتركين قول العلماء الَّذين قالوا إنَّه فرض وتركضين خلف قول الاستحباب؟ ما السرُّ وراء ذلك وما تفسيرك لذلك؟
ماذا لو كان حقًّا فرضًا ووقعتِ في فخِّ اتباع هواكِ، وأزيدكِ من الشعر بيتًا: حتى العلماء الذين قالوا إنه مستحب قيَّدوا ذلك بشروط صارمة منها أمن الفتنة وأيُّ زمن فتنة نعيش فيه؟
دعينا من كون الأمر فيه فتنة، فهذه نسبيَّة كلٌّ يُفتن في شيء، لكن ماذا عن شدَّة الحرص للانقياد لأمر الله؟ متى سيكون جوابنا سمعنا وأطعنا؟ إلى متى نقول سمعنا وعصينا؟

دعيني أقول لكِ: أنَّ كل الذين لا يريدون اتباع أمر هم في الحقيقة يصعب عليهم مخالفة هواهم والشأن كذلك -مثلًا- في التقصير في الصلاة أو ترك النوافل أو عدم إخراج الصدقة، لا أظنُّ أنَّ هناك فئة كبيرة يهمُّها ما قال العلماء، بل هي تتبع ما تمليه عليها نفسها وتمضي في دروب الحياة. تغطية الوجه ليس عقابًا بل إطلاقًا لحريتك وفكًّا لقيد الأنظار عنك، وكما قيل: إنَّ المرأة إذا غطَّت وجهها امتلأ قلبها بالحياء، وينزل الله في قلبها من الطمأنينة ما الله به عليم، فأيُّ خصوصيَّة وأيُّ انطلاقة وأيُّ هدوء نفسيٌّ وأيُّ ثبات على الأخلاق والمبادئ والبعد عن السفاسف والقبائح وأيُّ مغالبة لحب الهوى والظهور؟
الأسف على زمان الغربة هذا الذي بتنا نعيش فيه، الحشمة فيه مذمومة ومختلف فيها، ولباس الفجور والعريّ والسفور كل الناس مجمعون عليه، كيف لإنسان مسلم أن يتَّهم التي تغطي وجهها وتحتشم في لباسها أنها متشددة ورجعية؟
إنَّ الله عدل ولن تتساوى عند الله يوم القيامة مسلمة متبرِّجة وأخرى مقيمة لفرضية الحجاب، ولن تتغيَّر القوانين فالمحتشمة لن يضيِّع الله صبرها واحتسابها والعاصية لله بلباسها لها وقفة أمام الله تجادله بذنبها ويا تُرى لباسها هذا سيذهب بها إلى الجنَّة أم النَّار، وإن شاءت فلتنظر إلى حديث رسول الله ﷺ: لا يدخلن الجنَّة ولا يجدن ريحها. إنَّ هذا التغيير له ما وراءه فليس هو مجرد عادة تلبسينها كلَّ يوم أو مجرَّد قماشة تضعينها على وجهك بل تقدُّم في بوصلة وعيكِ، ليكن لديكِ موقف راسخ وفهم حقيقي عميق في الحكمة وراء هذا التستُّر لتمانعي بعدها شبهات الفكر، مرِّني نفسكِ على مجاهدة اتباع الهوى وشهوة الجمال، ففي هذه المجاهدة عبودية وفي هذا التحمُّل بركة ينبت الله بها صلاحًا ويجعل الله بها لكِ قدم صدق في طريق “العفة والعمل الصالح”
أسأل الله أن يهديَنا واللهُ تعالى لا يضيع ما تحمله عبده لأجله.
نجوان زيدان
للمزيد:
الحجاب في الفطرة والشرائع السابقة
ما وراء الحرب على النقاب!










