كثر الكلام عن النقاب والمنتقبات بما لا يثبت، بل بما قد يزعزع ثباتَ من يجاهدن، وأنا أعلم أن جهادهن ليس باليسير.
- أولًا: لنفترض أننا اتفقنا جميعًا على أن النقاب سنة، مع أن المسألة خلافية بين أهل العلم، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى القول بوجوبه، وتداخل عندنا مفهوم الفتور والانتكاسة.
لكنني أظن أننا جميعًا لا نختلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وقد دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة.
طيب، يا هاجر، ما تعريف الإيمان؟
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
«الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان».
فجمع الحديث بين قول اللسان، وعمل الجوارح، وعمل القلب.
إذًا، فالإيمان يزيد بكل ما يقرِّب إلى الله، حتى بإماطة الأذى عن الطريق؛ فهي من شعب الإيمان.
بل إن النبي ﷺ خصَّ الحياء بالذكر، وجعله شعبةً من شعب الإيمان، ولا شك أن زيادة الستر دليلٌ على زيادة الحياء، ولنا في أمِّنا عائشة رضي الله عنها أسوة، بل في جميع أمهات المؤمنين ونساء الأنصار، أعظمِ نساء العالمين سترًا وحياءً.
لذا، لا نقلل من فاجعة نقص الإيمان، ولا نبخس خوف بعض الأخوات عندما تخلع فتاةٌ نقابها، ونستصغر الأمر ونهوِّن منه، ثم نقول: «إنها مجرد سنة».
فالأمر ليس بهذه البساطة؛ فإن نقصان الإيمان أمرٌ ينبغي أن يفزع له المؤمن، سواء كان بترك واجب، أو بتفريط في مستحب.

- النقطة الثانية…
ما الدليل على أن الأمر ليس هيِّنًا؟
أقول: قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه…».
ومن منا لا يود أن ينال محبة الله؟
فإن كان النقاب فرضًا، فقد امتثلنا أمرًا عظيمًا، ورُجيت لنا النجاة بامتثاله، برحمة الله. وإن كان سنةً، فلسنا في غنًى عن فضلها، وعن النوافل التي تُنال بها محبة الله، فضلًا عن كونه مظهرًا من مظاهر عز الإسلام، نغيظ به أعداءه، ونؤجر -إن شاء الله- على التمسك به.
- النقطة الثالثة…
هناك مبدأٌ نتبناه في حياتنا، ونحن نسعى إلى ما نريد، وهو أن تسعى بهمةٍ عالية، وتبذل كل ما تستطيع، حتى إذا لم تبلغ القمر، ملكت نجمة.
فمن صعد الجبل بأقصى همته، وإن لم يبلغ قمته، فلن يكون في القاع، ويكفي أنه لم يبقَ في القاع أو على المنحدر.
وفي سبيل الوصول إلى ما تريد، تتخلى عن كثير من المباحات والرفاهيات، وهنا يأتي المعنى الذي كان عليه السلف؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتركون بعض المباحات خشية الوقوع في الحرام.
فالإنسان في هذه الدنيا عدوه نفسه، وشيطانه، والدنيا؛ لذا كان العاقل من يسعى إلى تحصين نفسه.
فلو أن إنسانًا يملك قصرًا عظيمًا، وله أعداء كثيرون، لحرص على تحصينه بالأسوار، وإحكام بنائه، حتى يصعب اختراقه.
وكذلك القلب؛ فإن كثرة الطاعات تحصنه.
ولهذا كان العلماء يوصون بالمحافظة على النوافل؛ حتى إذا وقع التقصير أو الهدم، وقع أولًا فيها قبل أن يصل إلى الفرائض.
وقِس على ذلك سائر الطاعات؛ فالمنتقبة -مثلًا- إذا اعتادت الستر الكامل، ثم ضعفت، فلن يكن أول ما تتنازل عنه هو الخروج بشعرها.
ولا شك أن الله هو الميسِّر، وهو المثبِّت.
فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على ما يحبه ويرضاه.
والله من وراء القصد.
للمزيد:
ما وراء الحرب على النقاب!
ستر الوجه بين الفرضية والاستحباب










