أمانة لا تجزئها العواطف
قالت لي وهي تستحضر عهدها:
لقد عهدتني أُمِّي لا أُخفي عنها شيئًا، ولا أكتم دونها أمرًا، حتَّى إنَّني لأتَّجِهُ إليها فور عودتي؛ لأسرد على مسامعها كلَّ ما مرّ بي من أحداث من غُدُوِّي إلى رواحي. فأنا أمامها كتابٌ مفتوح، لم أكن لأطوي عنها صفحة، ولا لأواري عبارة، أو أترك حرفاً دون نقاط… ولكن، هذا الانفتاح كُلُّه ينحصر فيما يخصُّني أنا، ويتعلَّق بشأني، ويتشابك مع تفاصيلي، أمَّا إن حمّلني أحدٌ سرًّا، واستودعه وجداني، فما كنتُ — ولو عشتُ الدَّهْرَ كُلَّه — لأدع عيناً تطلع عليه، أو نظرة تنفذ إليه. إنَّني لأحبسه في حنايا صدري، ضاربةً عليه بأسوارٍ وأبوابٍ وأقفال، لا يُفَكُّ وثاقه ولا يُطْلَق قيده طرفة عين، يحيا في داخلي ويموت معي، لا يعلم بمستقَرِّه أحدٌ غيري وغير صاحبه.
ورغم أنَّ أُمِّي تربو بقلبي في منزلةٍ عظيمةٍ ومُكَرَّمة، لا ينازعها فيها أحد، إلَّا أنَّه لا يحلُّ لي شرعاً ولا مروءة أن أخون الأمانة بإفشاء سرٍّ هُيِّئ لي حفظه، ولو كان السرُّ في أصله بسيطاً أو سخيفاً… حتَّى إنَّه في ذات يوم، بلغ أُمِّي سرٌّ بعد أن شاع وذاع بين النَّاس، وانصدمت حين أخبرتها إحداهنَّ أنَّني كنت أحيط بالأمر بجميع دقائقه وتفاصيله، دون أن أظهر لها أو أُلَمِّح عنه بكلمة، رغم أنَّني كنت أُجالسها بالسَّاعات ونحن نتجاذب أطراف الأحاديث الفسيحة…
قلت لها معجبةً بصنيعها: تعرفين أنَّكِ بموقفكِ هذا تدمغين وتُفَنِّدين الحُجَّة الباطلة الَّتي يتذرَّع بها كُلُّ مَن ضاق صدره بسرٍّ فباح به؟
سألتني باهتمام:
وكيف ذلك؟ وما حُجَّته؟
أجبتها:
يا عزيزتي، هناك مَن يزعم أنَّه مُستعِدٌّ لحجب السرّ عن أهْل الأرض قاطبة إلَّا شخصاً واحداً، يعسر عليه مواراة نتفةٍ من الخبر عنه، فلا يأتيه نومٌ ولا يهنأ له عيشٌ حتَّى يسكب السرّ في أذنه! وحُجَّته الواهية في ذلك أنَّ هذا الشَّخص أغلى من روحه، وأقرب إليه من حبل الوريد، فكيف يبخل بالحديث عنه!
فانتفضت قائلة:
ويحه! ألا يخاف أن يُكْتَب عند الله مع المنافقين؟ أليس من آية المنافق الأكيدة: إذا اؤتمن خان!
فأنهيت حواري معها بأسى:
لقد غاض الوَفَاء، وفاض الغَدْر يا صديقتي، والله المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم.
ولنختم نحن هذا الحوار بأبياتٍ شعريَّةٍ بليغة، يجب أن يتمثَّل بها كُلُّ حُرٍّ كريم، ويصون بها مروءته:
«لا يكتم السرَّ إلَّا كُلُّ ذي خطر
والسرُّ عند كرام النَّاس مكتوم
والسرُّ عندي في بيت له غلق
قد ضاع مفتاحه والباب مردوم».
وقيل أيضًا:
«وكنت إذا استُودِعْتُ سرّاً طويته
بحفظ إذا ما ضيَّع السرَّ ناشره».










