أحبكِ في الله.

|

​أحبكِ في الله.
كثيرًا ما رأيتُها متسرّبةً من أفواه القلوب، متهدّجةً تارةً، ومندفعةً بعِظَم الشعور تارةً أخرى، ومتسلّلةً على استحياءٍ حينًا، لتستقرَّ في شَغافِ القلوب. ولَعَمري، إنّها من أجلِّ المشاعر وأبهى صورها؛ خالصةٌ مستخلصة، شفّافةٌ مترقرقة.

​عبارةٌ تحوي في حروفها مشاعرَ تُغني عن كثيرٍ من الكلام، مسكنُها سويداءُ الفؤاد. لا يفهم كُنهَها من لم يذقها، ولا يستطيع استيعابَها من امتلأ قلبُه بالحسابات.

​تخبرني بها فتياتي الحبيبات، وتكرّرها على مسامع قلبي العزيزات، فيسكت سكتةً طويلة، ثم يردّد بعدها: سبحان الله!

​أردّ عليهنّ بأن يحبّنا الله سويًّا، وأنا في داخلي أدعو وأؤمّن على دعائي أن يشفع لنا حبُّنا فيه، وأن يحبّنا كما جمعنا حبُّه ومحبّتُه، مستحضرةً قول رسول الله ﷺ:​«سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: … ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه».(متفق عليه)

​يا رب، كما جمعتنا على حبّك في الدنيا، فظلّلنا في الآخرة يوم لا ظلّ إلا ظلّك.
​وعندما قرأتُ أول مرة حديثَ رسول الله ﷺ الذي يحثّ فيه الرجلَ على أن يُخبر أخاه بحبّه، حاولتُ أن أمسك نفسي عن أن أهمس في أذن كل قلبٍ محب: “أخبره، أعلمه، لا تمسك غيثَك عن أخيك”، عملًا بوصية رسول الله ﷺ: ​عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:​«إذا أحبَّ الرجلُ أخاه فليُخبره أنه يحبُّه».
(رواه أبو داود والترمذي)

​وجاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا كان عند النبي ﷺ، فمرّ به رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إني لأحبّ هذا. فقال له النبي ﷺ: «أأعلمتَه؟» قال: لا. قال: «أعلمه».
(رواه أبو داود)

​وعندما سمعتُ حديثَ الرجل الذي تحمّل مشقّة الخطى ومسافة الطريق، ولم يحمله على ذلك إلا محبّتُه لأخيه في الله، أعدتُ السؤال على نفسي:”هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها؟”فقلت: لا، سوى أنّي أحبّهنّ فيك يا رب؛ لكَ، وبكَ، وفيكَ يا الله.

​عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:​«أنَّ رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أخرى، فأرصدَ اللهُ له على مَدْرَجتِه مَلَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببتُه في الله. قال: فإني رسولُ الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه».(رواه مسلم).

​ما جمعهما ليس دنيا تُنال، ولا منفعة تُطلب، بل الله وحده؛ وما يفرّق بينهما إن افترقا فهو الله وحده، فلا تُجعل بينهما المودّة رهينةَ عطاءٍ أو موقفٍ أو ظرف.

​فهي محبّةٌ لا ترتهن بقربٍ أو بُعد، ولا تزيد بعطاءٍ ولا تنقص بمنع؛ لأن الذي جمعها هو الله، وإليه مردُّها. محبّةٌ لا تُقام على أعمدة المصالح، ولا تُطفئها تقلّبات الأيام؛ إذ لم تكن يومًا لأجل شيءٍ يُؤخذ، بل لأجل ربٍّ يُبتغى. فإذا كان الله هو الغاية، بقيت القلوب معلّقةً به لا بالأشخاص، واجتمعت على طاعته وإن تباعدت الأجساد، وائتلفت الأرواح وإن حالت بينهما المسافات.

​يا ربّ اجعل حبّنا فيك، واجعل اجتماعنا عليك، ولا تجعل في قلوبنا تعلّقًا يزاحم حبّك، واجمعنا بمن أحببنا فيك في دارٍ لا فراق فيها ولا رحيل.

للمزيد:
على ضفاف اليقين

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة