أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قد يبدو لكثير من الناس أن هذه مجرد عبارة نرددها دائمًا، فما المعنى من وضعها عنوانًا لتدبّره؟ وهذا ما كان يجول في خاطري أيضًا، قبل أن يفتح الله عليّ ويهديني إلى عظمة هذا الدعاء وهذه العبارة، ويرشدني لتعلم معناه وتدبره والعيش معه.
فنحن كمسلمين لسنا نردد ما لا نفهم، بل كل ذكر وآية لها معنى، ويبقى أن نبحث عن ذلك المعنى لنستحضر المعنى ونحن نقرأ، ونستشعر تلك العظمة والمعنى الذي علّمنا الله إياه. ومن هنا نفهم كيف يصبح الذكر زادك في كل حالاتك وأوقاتك، فلا يكون زادك إن لم تكن تعي ما المعنى وما تقول!
أعوذ: جذره «ع و ذ»، مأخوذ من الفعل الماضي «عاذ»، وفي أصله اللغوي يحمل معنى الالتصاق واللصوق بالشيء طلبًا للحماية، وفي «لسان العرب»: يُطلق «العائذ» على اللحم الذي يلتصق بالعظم (أطيب اللحم وأشده التواءً بالعظم)، فكأنه يعوذ بالعظم ويحتمي به.
ومن معاني الجذر «عوذ»: الالتجاء والاعتصام والتحصّن.
فمعنى الاستعاذة بالله هو شدة الالتصاق بالله طلبًا للحماية، هي الالتجاء والاعتصام والتحصّن بالله.
فحين تقول: «أعوذ بالله»، فكأنك تقول: أعتصم بك يا رب، وألتجئ وأتحصّن، لتحميني، وفي هذا اعتراف بشدة ضعفك، وأنك لا تقوى على دفع الشر دون الاستعاذة بالله. تحميني ممن؟ من الشيطان الرجيم.
وهذا يدل على شدة ضعفنا أمام الشيطان وكيده، وعلى حاجتنا إلى الله عز وجل في كل أمر من أمور حياتنا، حتى إننا لا نملك دفع كيد الشيطان عنا إن لم نستعن بالله العلي العظيم.
فما هو الشيطان الرجيم؟ شيطان: جذره «ش ط ن»، مأخوذ من الفعل الماضي «شَطَنَ»، وفي أصله اللغوي يحمل معنى البُعد والتنحي؛ يُقال في اللغة: «شَطَنَتِ الدارُ شَطَنًا»، أي بَعُدَتْ، و«شَطَنَ مَزارُهُ»، أي بَعُدَ مكانُ زيارته.
ويحمل معنى الالتواء والتعقّد؛ ومنه اشتُقّت صفة العتو والتمرد لخروج صاحبها عن المألوف أو التوائه عن الحق.
الرجيم: من الجذر «ر ج م»، مأخوذ من الفعل الماضي «رَجَمَ»، وفي أصله اللغوي يحمل معنى الرمي والقذف بالشيء الصلب، ويحمل عدة معانٍ، منها: الطرد والإبعاد، والشتم والسب، والمقتول أو المقذوف بالحجارة.
ومن هنا أصبح جليًا معنى هذه العبارة. نستطيع الآن أن نقولها مستشعرين فضلها وما نفعل، فأنت بعد أن تعرف معناها لا تعود ترددها وكأنها مجرد عبارة، بل تقول ما يملأ قلبك تحصّنًا، ويزيدك ثقةً وتوكلًا وحبًا بالله العلي العظيم، وتزيدك إدراكًا لضعفك وعظمة خالقك، وأنك لا تستطيع دفع وسوسة الشيطان لولا الاستعانة بالله العلي العظيم.
فحين تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، استشعر أنك تقول: إني ألتجئ وأعتصم وأتحصّن بالله من الشيطان البعيد عن الحق، والحريص على إغوائي وإبعادي عن طريق الحق، المشتوم المطرود من رحمة الله.
وكلما كررتها بتأمل وتدبر، صارت زادًا لك وقوة؛ فأنت تدعو الله بأن يحميك من شر هذا الذي قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وسبحان الله، الاستعاذة مواطنها كثيرة جدًا:

قبل قراءة القرآن، وعند الفزع، وعند ورود خاطر من الشيطان، وعند الخوف، وغيرها الكثير.
وكلها مواطن لو تدبرت أنك تتحصّن بالله العلي العظيم من شر الشيطان الرجيم، واستشعرت هذا المعنى، لاختلفت حتى طريقة قولها؛ فلا تعود ترددها بسرعة، ولا تعود تستغني عنها. فحين تقوم لصلاتك، وبعد دعاء الاستفتاح، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فتخيّل أن ترددها وأنت مستحضر لمعناها، وأنت تستعيذ بالله من الشيطان في أشد المواطن تأثيرًا ومحاولةً للوسوسة؛ لأنك تقيم أعظم فريضة بإقامتك للصلاة.
ولا شك عندي أن من كان قلبه حاضرًا حتى وهو يستعيذ في صلاته ليس كمن قالها بقلب غافل. فالأول قد رُزق خشوعًا أكبر، ولم يتمكن الشيطان من بث وساوسه؛ فهو قد تحصّن بالله من شر الشيطان الرجيم.
اللهم إنا نعوذ بك من شر الشيطان الرجيم، ونِعْمَ من عُذنا به أنت، يا ربنا.
للمزيد:
من المعاني في سورة الكهف










