قوة القلب، توجب قوة الأثر.

|

قوة القلب، توجب قوة الأثر… الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يقعا موقعًا بليغًا؛ يجب أن يكون الناصح ذا قلبٍ قويّ، معتزًّا بدينه وبتشريعات خالقه، موقنًا واثقًا بها، كارهًا مبغضًا للكفر والكافرين. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ من لا يمتلك هذه الثوابت والاعتقادات ليس عليه أن يأمر وينكر؛ بل لا يصح له ترك هذا الفرض. القصد أن تأثير الناصح الضعيف سيكون أقل من القوي الواثق؛ فقوة القائل تُقوّي مقاله.

الحزم والجدية عندما يتعلق الأمر بالدين، خلقٌ رفيعٌ يجدر بكل مسلم أن يتخلّق به؛ فيعظم أمر الشرع والعقيدة في قلبه، ويمتثل ويتعظ سريعًا. ويدعو غيره -بلسان حاله- إلى الاعتزاز بالدين وحبه؛ حينما يُرى قويًّا ثابتًا لا يخشى في مولاه لومة لائم.

وقمنٌ بقوي الإيمان أن يعمد إلى تغيير المنكر بيده، ولا يغيره بلسانه فبقلبه إلا على مضض وكراهة. حين تنتهك حرمات ربه يغلي دمه غضبًا من المنكر، ويُهرَع مغيرًا إياه بيده؛ لا يرضى الذلّ والمداهنة، ويسعى إلى طاعة الله ومعاونة وتقويم محيطه ليطيع.

غالبًا ما تجده حازمًا فيما يتعلق بذاته أيضًا؛ فيحسنها ويزكيها دينيًّا، ودُنيويًّا بما يقيم صلب صحته وروحه، وبما يسند الجانب الديني. فعلى سبيل المثال، لا تضعف شهوته أمام العادات والممارسات الضارة، والأطعمة “السريعة”، أو الدخان -وغيره مما ابتلي به هذا القرن-، وليس مشتريًا كلما كان مشتهيًا.

إن من أمسك نفسه عن صغائر الشهوات، ومباحها، يقوى ليكبحها أمام عظيم الشهوات، ومحرماتها؛ لأن لديه عزمًا ومناعةً وقوة إرادةً نمّاها في المباح. وقتما أمسك عن فضول كلام، وأكل الموبئات، وتقضية الوقت هدرًا، تألّم هنيهة مؤقتة، أعقبت صبر مطوَّلًا، مازج الطباع، وخالط الأخلاق، حتى صار عادةً وطبعًا ملازمًا.

وإن أثر قويِّ الاعتقاد قويِّ المقالة، ليصل إلى النفوس ويوقفها اتعاظًا وتأملًا، ولو لم تُتلقَّ مشافهةً مواجهة؛ بل إن صداها ليمرق من الصحف إلى القلوب بالكنوز والنفائس.

  • وقد جربت هذا الأثر فيّ كثيرًا، ومن ذلك:

وأنا يافعة، قرأت قصةً تزكويةً للصغار -ضربًا من التعلم من لغتها، وانجذابًا لبهيّ منطقها- بطلها أب عائلة ملتزمة، تمرر الفوائد إلى القارئ الصغير من خلاله وبنصائحه لأهل بيته. خرج مع أخيه وعائلتيهما في نزهة، وبعد أن أكلوا، ذهب ابن أخيه جالبًا علبة مشروبٍ غازيٍّ؛ ما راع عمَّه -بطل القصة- فأخبره بلسان الناصح المحب، عن ضرر وخطورة هذه المشروبات، وأنكر عليه شربها، وانتدبه إلى إلقائها والتخلص منها حالًا؛ فألقاها الغلام قريرًا فهيمًا.

هنا، وقعت نصيحة العمّ للغلام ومن ثم رميه للعلبة موقعها في قلبي، وتوقفت عند تلك الأسطر. وأشد ما أثّر فيّ ثقةُ الناصح، وعدم خجله من اعتقاده، وجهره به -ولو كان صغيرًا-، والتخلص من الضرر في ذات اللحظة بلا تردد، ولا اختلاق أعذار، ولا تسويف، ولا “أفعلها لآخر مرة ثم أقلع”!

وبفضل الله، منذ اليوم الذي قرأت فيه تلك القصة إلى يومنا هذا، لم تمسَّ ريقي قطرةٌ من مشروب غازي، وحرمتها على نفسي تحريم مناعة، وزجرٍ وتربيةٍ للنفس، ولعلّ هذا من بركة صدق الكاتب كما أحسبه والله حسيبه، بارك الله فيه ونفع به.

موقفٌ حازمٌ، لشخصيةٍ من حبرٍ على ورق، نهى عن عادةٍ ضارةٍ كُليًّا، فكيف به لو كان واقعًا؟

ربما لو كان عدَّدَ مساوئها ( المشروبات الغازية) فحسب لما كنت أقلعت عنها؛ فمساوئ شيءٍ لن تخفى عن صاحبه في الغالب، لكن الثبات على موقفٍ واعتقادٍ، والذود عن حدودٍ مرسومةٍ بخطوط عريضةٍ في قرارة النفس، أورث مهابةً وإجلالًا يقع في حشاشة القلب.

فإذا علمت أثر وأهمية قوة الاعتقاد والموقف؛ فاجهر -يا رضي عنك الله- بما جهر به سلفك الصالح، من خيرٍ وشريعة، وحبٍّ للدين والتكاليف، وابتعد عن المداهنة، ولا تعمد إليها أبدًا. واعلم أنك ستلاقي من الألم والحرج في بادئ الأمر؛ فاصبر، وسل الله العون ولا تخشى فيه لومة لائم، واجعل رضاه هدفك الأول والأخير، ولا تفعل إلا ما يدعم مرادك ويقويه أو يحميه ويدافع عنه.

يقولُ تعالى ذِكرُه مُخبرًا عن قيلِ لقمانَ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

عندما يصبح الدين وحدوده خطوطًا حمرًا عندك، لن يجرؤ أحدٌ على أن يعصي أمامك، وسيكون لمجلسك هيبة واحترام، ويعلم جليسك أنك لن ترضى لحرمات الله أن تنتهك. وتدريجيًّا سيعظُم أمر الدين في قلب جليسك، وقد تساعد استقامتك وجديتك وعدم تهاونك، في التزام شخصٍ واستقامته!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة