مسلسلات موسم رمضان!

|

البذر في رجب، والسقي في شعبان، والقطاف في رمضان… عبارة لابن رجب -رحمه الله- تلفتنا إلى ضرورة الاستعداد لرمضان وإعداد قلوبنا له، والإكثار من الدعاء بأن يبلغنا الله إياه…

ونحن الآن في شهر رجب، من الأشهر الحرم. حيث يضاعف الثواب والعقاب فيها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي في هذه الأشهر المحرمة، لأنها آكد، وأبلغ في الإثم من غيرها.

وبعدها يهل علينا شهر شعبان بنسائم الخيرات، وبشائر البركات، ويُذكر بقرب قدوم الشهر الكريم. وكان لنبينا ﷺ هدي خاص فيه، حيث تقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان”.’¹’
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: “كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلا، بل كان يصومه كله”.’²’

فكان الحبيب المصطفى ﷺ يكثر فيه من الصيام. وقد سأله أسامة بن زيد رضي الله عنه عن سبب كثرة صيامه، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله: “ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”.’³’

وهو ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن أولى منه بهذا العمل وأحرى أن نسارع إليه ونلتزمه؛ عسى أن يكون ذلك أرجى لقبول أعمالنا والعفو عن سيئاتنا. بالإضافة إلى حرصنا على ترويض النفس وإعدادها لرمضان بكثرة فعل الخيرات وقراءة القرآن وتدبره، وهذا هدي السلف رحمة الله عليهم؛ حيث كانوا يسمون شعبان “شهر القراء”، فكانوا يكثرون فيه من قراءة القرآن، والمسارعة في التوبة إلى الله عسى أن يتوب علينا ويغفر لنا. ليحل علينا بعدها شهر رمضان الكريم؛ شهر الصيام والقيام والقرآن، تغفر فيه الذنوب وتعتق الرقاب، وفيه ليلة خير من ألف شهر.

وقال رسول الله ﷺ:
“إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين”.

وفي “كوكب الأهواء والأوهام” يعيش الغافلون -الذين ليسوا بقلة- يبيعون وقتهم بثمن بخس. حيث ضجت شاشات الهواتف والتلفزة بقائمة “مسلسلات موسم رمضان ٢٠٢٦”.

وطبعا هذا ليس من فراغ؛ فهناك الآلاف، بل الملايين من التافهين الذين يترقبون بشوق، ويتفقدون أسماء المسلسلات وأنواعها التي ستعرض في رمضان هذه السنة!

ويتفقدون الممثلين والممثلات الذين شاركوا في “دراما رمضان”، بل ويتحسرون على غياب بعضهم فيها، وأزيدك من الشعر بيتًا:
هناك من أصابهم الإحباط لأن هناك بعض المسلسلات تعرض في قناتين مختلفتين في الوقت نفسه… لكن طبعا لن يستسلموا ويمكنهم حضور الإعادة في اليوم المقبل!

فرمضان شهر يتفرغون فيه من الأكل والشرب ليملؤوا وقتهم بشيء من الترفيه والمتعة؛ عسى ذلك أن يخفف عنهم لسعة جوعهم وعطشهم حتى أذان المغرب…

ينقلب نهارهم ليلًا وليلهم نهارًا. لا يذهب عقلك بعيدًا إلى أنهم يحيون لياليهم بالاعتكاف والصلاة وحلقات الذكر؛ بل بحلقات مسلسلاتهم المتتالية، وبعد ليلة طويلة مليئة بإطلاق النظر والسمع الحرام، يغرقون في النوم… عسى أن يخفف عنهم تعبهم وألم سهرهم!

هذه المسلسلات التي تعرض مشاهد الاختلاط والفجور، ومواقف مخلة بالحياء -المفقود أساسًا-، سلبت عقولنا وأضاعت أوقاتنا وأطفأت همتنا، بل وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من روتين العائلة، بل قد يجتمع عليها أفراد الأسرة، الذين لا يجتمعون ولو لمرة واحدة فقط في الأسبوع ليتدارسوا كتاب الله أو سيرة نبيه، حتى في رمضان!

تأمل: “مسلسلات رمضان”!
متناقضة، غير مقبولة، لا يستوعبها عاقل. فكيف بها تجري على ألسنتنا وقلوبنا ولا تحدث فينا حسرة ولا تنزل على خدنا عبرة، عجيب هذا الزمن!
فضلا عن أن نشاهدها ونشاركها، ونجتمع عليها ونتحدث عنها، ونحللها وننقدها؛ عساها تتحسن في الموسم القادم!

كيف تجرأنا؟ أي جرأة هذه… بل أي غربة؟! أليس فينا رجل رشيد؟!

وإن هممت بسؤال أحدهم كيف عرَّض بصره لهذه المشاهد الدنية في هذه الأيام المباركة؛ لا يفتأ يصفك بالمتشدد، ويقول إنها مجرد برامج ترفيه للترويح عن النفس.

بل ويجملونها على أنها تصور واقعنا وتجعلنا نعي ما يحدث من حولنا وتفتح عقولنا عليه. إلا أنها في الحقيقة ترسم واقعها الخاص وتصور المشاهد التي يريدونها، والتي تخدم مصالحهم الخبيثة، يخدرون الغافلين ويزيدونهم غفلة إلى غفلتهم، ويشغلونهم بأمور وسفاسف لا تنفعهم، ولا تجعلهم يهنؤون في دنياهم، فضلا عن دينهم وآخرتهم…

المخيف والمصيبة هو تطبيع القلوب وتعودها الأمر، واستغرابها من أن هناك من يصفها بالمنكر… في وقت كان من المفترض أن يستغربوا حالهم ويبكوا عليها… قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

ألا فأفيقوا يا عباد الله، وعودوا إلى رشدكم، ألا فانشغلوا بما خلقتم لأجله، ألا فتوبوا إلى الله لعلكم تفلحون، ألا إن الطريق طويل، والزاد قليل… رحماك يا رب!

اللهم بلّغنا رمضان، وبارك لنا في أيامه ولياليه، واجعلنا فيه من عتقائك من النار. اللهم بلّغنا رمضان وأعنّا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان.

‘¹’ متفق عليه.

‘²’ رواه الترمذي والنسائي.

‘³’ الترمذي والنسائي.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة