ما قدرناك حق قدرك ³

|

اشتدّ عداء كفار قريش للإسلام والمسلمين، ولم يكن عداؤهم وليد جهلٍ بالحق، بل تمرّدًا عليه. فراحوا يفتّشون عن ثغرةٍ ولو موهومة يتسلّلون منها للتّشكيكِ في صدقِ هذه الرّسالةِ العظيمة، ويستهزئون بخيرِ البريّة ﷺ، وبالدّين الذي جاء ليهدمَ سلطانَ الوهمِ من جذوره.

روى ابن عباس رضي الله عنهما أن أُبَيّ بن خلف جاء إلى رسول الله ﷺ بعظمٍ رميم، فقال مستهزئًا: «يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما بَلِي؟» فقال رسول الله ﷺ: «نعم، يبعثك الله، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك النار». لم يكن السؤال عن العظم، بل عن الحدّ الذي يتوهّم الإنسان أنّ قدرةَ اللهِ تقفُ عنده. فأُبَيّ لم ينكر الخَلق ابتداءً، وإنما أنكر الإعادة حين بلغَ الوهمُ آخر نقطة يتصوّرها العقلُ البشريّ حياة.

فنزل الردّ الإلهي قاطعًا، لا ليُجادل الشبهة، بل ليهدم أصلها قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ۝ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78–79].

عجبًا للإنسان! يتعجّب من الإعادة، ولا يتعجّب من الخلق من عدم. يُنكر البعث، وقد شَهِدَ النّشأَةَ الأولى كاملةً في نفسِه. قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ۝ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس:81_83]

ولم يكن ذكر العظام عبثًا. لم تُذكر لأنها الأقسى مادّة، بل لأنها آخر ما يتشبّث به الوهم. فاللحم يَفسد، والأعضاء الرخوة تتحلّل، حتى إذا لم يبقَ إلا العظم ثم تفتّت وصار رميمًا قال المنكر: هنا انتهت الحياة، وهنا يستحيلُ الرجوع.

فيأتي القرآنُ ليضربَ هذا الوهمُ من جذورِه، لا من أطرافِه قال تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾[البقرة]

قلبٌ كاملٌ للمنطقِ البشري: الإحياء يبدأُ ممّا ظُنَّ أنّه النّهاية. وهُنا تُقهر الشّبهةُ العقليّة، وتُثبتُ القدرة الإلهية، ويُغلق بابُ الإنكارِ من أُصولِه. ثمّ يتمادى الإنسانُ في غيّه، فيأتيه السؤال الإلهيّ ليس استفهامًا، بل إدانة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ۝ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3–4].

لم يقل: نُعيدها كما كانت،

بل قال: نسوّي بنانه.أي نُعيد ما لا يُرى، وما لا يُلتفت إليه، وما لا يظنّ الإنسان أنّ له شأنًا. فالقضيّة ليست بعثًا فحسب، بل إحاطة تامّة لا يضيع فيها تفصيل. فالبنان أدقّ عظام الإنسان وأكثرها تفردًا لا تختلط عليه، ولا تتشابه في علمه، ولا تضيع منذ خلق آدم إلى آخر نفس يُقبض.

إنّ قدرةَ الله تحكم الوجود كلّه. فبها أقام السماءَ بلا عَمَد، ثم يُسقِط ورقةً في صمتٍ محسوب.  بها يحيي العظم وهو رميم، ثمّ يفنيه ليعود ترابًا لا يُعرَف له اسم. فسبحانَ اللهِ العظيم!لا تعجزه كثرة، ولا يرهقه تكرار، ولا يسبقه سبب؛ إذا أراد شيئًا كان، وإذا شاء عدمًا فني.

تتجلّى قدرتُه في العظمةِ كما تتجلّى في الدقةِ: في المجرّةِ كما في الخليةِ، في الصّاعقةِ كما في النبضِ، وفي الموتِ كما في البعثِ؛ فكل ما ترى أثرُ قدرةٍ، وكل ما يغيب شاهدُ قهرٍ.

سبحانكَ ربي ماقدرْناكَ حق قدْرك

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة