“كلّ شيءٍ خرجتم فيه بحكم! ديننا يسرٌ وعقيدتنا سمحة، ليست متشددة متزمتة معقدة!”
هذا الكلام ومثله، يواجهه كثيرٌ من الناصحين، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أو الذين يبيِّنون وينشرون حكم مسألة ما منتشرةٍ نصحًا لإخوانهم في الدين.
أما أنتم، الفئة الأولى، فجزاكم الله خيرًا، وثبّتكم. أذكّركم بأن نصحكم واجب فلا تتركوه أو تتهاونوا فيه، ولا تنسوا اللطف واللين في الدعوة، والسر والانفراد في النصيحة (وهناك استثناءات)؛ فمن نصح أخاه في العلن فقد شانه، ومن نصحه في السر فقد زانه.
وإن نصحتم ولم يرعوِ المنصوح ولم يظهر اهتمامًا ورغبة في التغيير، ورأيتم أن إلحاحكم يضايقه وربما زاد تمردًا وطغيانًا؛ فتجنبوا الإلحاح عليه في النصح. ما عليك إلا البلاغ، أما النتيجة فلا تعبأ بها ما دمت قمت بما عليك.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
جاء في تفسير السعدي: ﴿فذكِّر﴾: بشرع الله وآياته، ﴿إن نفعتِ الذِّكْرى﴾؛ أي: ما دامت الذِّكرى مقبولةً والموعظة مسموعةً، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذِّكرى؛ بأنْ كان التَّذكير يزيد في الشرِّ أو يَنْقُصُ من الخير؛ لم تكن مأموراً بها، بل منهيًّا عنها؛ فالذِّكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون، وغير منتفعين.
أما عن المنصوحين الذين يرددون الكلام سابق الذكر كلما لاح طيفُ ناصح، أقول لكم:
تفقدوا قلوبكم، تفقدوها إن كانت تنفر من النصح، وإن كانت تكره تقويمها من أحد. هنا أخشى عليكم من الكِبر الخفي؛ فحري بالمؤمن إن نصحه أخوه أن يفرح بوجود مقوّمٍ له يعينه على أمر دينه ويذكره كلما نسي.
ثم تعالوا نُفنّد شيئًا من مقولتكم، فلمَ لا نحمد الله ربَّنا على شمولية العقيدة والدين؟ لم قلتوها كالمتحدّث عن نقمة؟ تلك نعمة يودّ مستشعرها ألا يفتر لسانه عن الحمد!
فأعظِمْ بها من نعمة! كل أمور حياتنا ديننا ينظمها، ويرينا الطريق الصواب فيها؛ فلا نبقى حائرين ضائعين بلا بوصلة، ولا يبقى القلب متخبطًا حزينًا يعيش عيشةً بعيدةً عن سعادة البشر الحقيقية، بأن يعبدوا ربهم الذي خلقهم لعبادته سبحانه وتعالى.
ربانيةُ المصدر مستمَدّة من خالقنا؛ يا لها من نعمة، أن يكون خالق وربّ كل شيء العليم بدقائق الأمور وكبائرها، علّمَنا وهدانا إلى ما فيه الخير والصلاح! فأنى لنا بالسنة والنهج السليم والهدى إن لم يأتنا الإسلام العظيم ويرشدنا!
الإنسان جهول عجول، لا يحسن تدبير أمره، يحتاج إلى معلمٍ ومصوِّب، وكل معلمي ومتصدري هذه الدنيا من أولها لآخرها لن يهدوك صراطًا مستقيمًا ودليلًا منيرًا إن كان منهلهم ليس الوحي؛ لأنهم بشر، لن يفقهوا ما فيه الخير لهم ما لم يستمدوه من خالقهم الخبير العليم.
جاء في تفسير السعدي لقوله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛ أي: “يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير ويسهلها أبلغ تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله؛ سهله تسهيلاً آخر إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات، وهذه جملة لا يمكن تفصيلها، لأن تفاصيلها جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات”.
فأنت بقولك عن أحكام الله أنها ليست من الدين في شيء، وتعقيد وتزمت، وتنافي يسر الدين؛ فقد أخطأت.
كثيرٌ من الناس اليوم يريدون دينًا “سكرًا خفيفًا قليل التكليف” فهذا ليس بدين الإسلام الذي يميز الخبيث من الطيب، ويحقق الرقابة والمحاسبة داخليًّا جوهريًّا لا خارجيًّا فقط. الرغبة في دينٍ يسير فيه الناس حسب هواهم وما تقتضيه شهوتهم الحالية، ليس بدين رباني صحيح، بل هو هوى، وتمييع ولَيّ للأحكام، ويفضي إلى فتنة وشر عظيم، كيف لا وكل واحدٍ يطبق الأمر الفلاني على هواه ويخبط خبط عشواء؟!
قال عز وجل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
حكِّم، انفِ الحرج عن نفسك، سلِّم، وهنيئًا لك! “ومن يترك التحكيم غير ملتزم له؛ فهو كافر، ومن تركه مع التزامه؛ فله حكم أمثاله من العاصين”.
من حلاوة دين الإسلام، أنك كلما فكرت في أحكامه وشريعته، وجدتها كلها تدعوك لأن توحّد الله سبحانه، ولا تشرك في حبه والتعلق به أحدًا، ويكون القرب منه سبحانه هو غاية رجائك ومنتهى مناك؛ فتنسى الخلق وحظوظ نفسك، تراهم مسخَّرات تنتفع بالإحسان إليهم ليحبك الله (لا ليحبوك هم بشكل خاص)، وتؤجر بإحسانك وكفك أذاك عنهم.
فلا تتعلق إلا بالله سبحانه، وتصبر على ما أصابك، ولا تخجل من أي شيءٍ يرضيه، تُسخط الناس في مراضيه رجاءً وخوفًا، ولا يهمك ما تتلقاه منهم ما دام سبحانه لم يغضب منك. تستحيي من الله أن يحيك في نفسك شيء من تشريعاته، وإن حدث تسارع في نفيه وتعلم يقينًا بقصور العقل البشري، وتحمده سبحانه وتنزهه عن كل نقصٍ وعيب.










