بينما كنتُ أبحث عنّي في الأرض، وجدتني في السماء

|

بينما كنتُ أبحث عنّي في الأرض، وجدتني في السماء… في قلب التِّيهِ، ورياحُ الفتن تتقاذفني يمنةً ويسرةً، أرهقني البحث عن ذاتي، وأثقلتني روحي وهي تُصارع للبقاء على قيد الطُّهر. أحملها على أكفِّ الخوف، وكأنني أنوءُ بحِملٍ تعجز عن حمله الجبالُ الراسيات، في وسط حقلٍ من الألغام! أبحث عنّي هنا وهناك، لعلّي أجدني في مكانٍ ما، وأنا أصول وأجول في معارك لا تُشبهني، وفي ميادين لا تليق بي، وأرتقي منابر لا تزيدني إلا هبوطًا!

وفي كل مرة أكاد أطأ فيها لغمًا من بذاءة ما يقذفونني به ولسان حالهم شطر البيت الذي قاله أبو محجن:

فدعي الرّماح لأهلها، وتعطّري

“تاخذني بقايا أنوثتي وحيائي جانبًا إلى ركنٍ قصي، ألعق جراحي وأنا مثقلة ومثخنة بالإهانة والصغر، وأسكت نفسي بتبريراتٍ جاهزة: كبوة فارس، واستراحة محارب! لكن من يُسكت ذاك الصارخ في أعماقي؟ كأنّه هذه المرة خرج متجسّدًا، بذراعين تمسكانني من كتفيّ وتهزّانني بعنف: هذا ليس مكانكِ يا فتاة، هذا ليس ميدانكِ! إلى متى ستتعلّقين بتبريراتٍ أوهى من خيوط العنكبوت؟ تزاحمين الرجال بحجّة نشر الدين والذَّبّ عنه، وتخوضين معارك لا تسمن ولا تغني من جوع! أترضين أن تُنعتي بـ السَّلْفَعَ؟ وهل أنتِ حقًّا كذلك؟ دخلتِ بنيّة نشر الوعي وتصحيح المفاهيم، وما أجمل النيّة! لكن المكان ليس مناسبًا!

اجعلي لكِ محرابًا، لا تُقتحَم فيه خلوتكِ، محرابًا ترسلين منه سرايا حروفكِ، وجحافل مواعظكِ، محرابًا مشيّدًا بأسوار طهركِ وعفافكِ، وقيمكِ ودينكِ؛ محرابًا تتعبّدين الله فيه بصدق، فـمن صدق مع الله صدق الله معه، وأيّده، ورفعه، ونصر به كلمته، ودحض به حجج الضلال. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت: ٦٩]

وبينما أسعى جاهدةً لإسكات صوت ضميري، الذي ما زال فيه رمقٌ من حياء، إذ ببصيصٍ من نورٍ يضيء من بعيد، وشيئًا فشيئًا، حتى أجدني هناك؛ أقف على عتبات أسنّة الضياء – كتيبة الكاتبات- نجومٌ على الأرض، أخذتني إلى السماء! وقفت على عتباتها وقد أرهقني الركض في أماكن لا تشبهني!

هاتِ يدكِ يا ونيسة، ودعي لهم ميادينهم، فهذه ليست معركتكِ، دعيني آخذ بيدكِ اليوم، وأناولكِ نبراسًا، أُهدي إليَّ يومًا ممن سبقنني إلى سماء الطهارة. قال رسول الله ﷺ: «الحياء شعبة من الإيمان» [متفق عليه] وليس من الحياء أن نزاحم الرجال بأي حجة كانت، لا يزال ثغركِ ينتظركِ، ونحن هنا نفتقدك ايضًا، هلا اعتلتِ صهوة جوادكِ وأتيتِ؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة