” تراتيل الدموع “

|

تراتيل الدموع… عزيزتي نسمة، سلام اللَّهِ عليكِ. أبشِّرك، لقد تلقيتُ رسالتك المخضَّبة بالدموع، و قد قرأتها بشجَن، و أنا أسمع صوت البكاء في أحرفك و أشهد تفجر المدامع منها كأنَّها المَدافِع.

أما بعد؛ لقد حدَّثتِني أنَّكِ تحملينَ في دواخلكِ مشاعر و معانٍ أكبر من أن تحكى، و أكبر من أن تصاغَ كلمات. و أنَّ كمال الصدق و الوفاء لها في أن تبكى، في أن تبكى و فقط. لكن الذي آسف عليهِ لأجلك، أن كل المعاني و المشاعر التي تخالجكِ تجدينها أكبرَ منكِ، حتى و كأنَّها تفيض عليكِ و مِنكِ، وكلُّ هذه المعاني والمشاعِر تبكينها. و هذه سيرتكِ مع البكاء التي ما إن قلتِ أنها قدِ انتهت إلاَّ و شهدتِ مدامع أخرى جديدة تتفجر فيكِ معَ كلِّ معنى جديد تشهدينَه! ولا يزال هذا البكاء يكبر في داخلكِ شيئا فشيئا على مر السنين.

عزيزتي نسمة، لقد رزقتِ عينا سخيَّة ودمعا مدرارا تسقي به الأزقة والدُّروبَ التي تعبرينها، وتَسقي به من القلوب السقيمة ماشاء الله لك أن تسقي؛ تِلك القلوب اليتيمة التي أضناها البحث عن نبعِ ماءٍ فياض في عينٍ عَطوفة لتغتسل بِهِ من أدرانِ الخيبَات و تسقِي فيهِم بذورَ المحبَّة على أملِ أن تتفتَّح في دواخلهم زهرةُ الحياة. فالمرء يُحيى بالحُب، يزهرُ بحبِّهِ للناس و بحبِّ النَّاس له، إن كان حبًّا للَّهِ و في اللَّه.

أبشري يا نسمة، البكاء نفعه متعدٍ، متعدٍ للآخر يشفي علتهم و يروري عطشهم. فلا بأس إذاً إن كنت ستبكينَ لتسقي…البكاء جميل يا نسمة، و ليس بذلك السوء الذي يظنُّه الناس و يصوِّرونَهُ لكِ. إنه غيث نافع و نفعه متعدٍ!

و لِمَ العجبُ يا نسمة؟ وقد عجِبتِ بعد أن رفعت بساط الأرضية وألقيت نظرة من تحتِ السَّجاد فوجدت الأماكنَ التي شهِدَت بكاءكِ و تفجُّرَ مدامعِكِ و قد أَزهرت! وقد اهتزت فسائلُهَا ورَبت وأنبتت من كل زوج بهيج. صدقيني يا نَسمة؛ الدمع ماء، و الماء حياة، و ما كانَ للأماكنِ التي شهِدت جريانَ الدَّمعِ إلاَّ أن تحيا.

و قد عجبتُ لتعجُّبِكِ مرَّةً أخرى، بعد سماعِكِ همسَ الزهراتِ التي تفتَّحت من تحت السَّجاد، و قد رأيتِها تتمايَل مع نسمةِ الريح الخفيفة و تطرب لنشِيجِكِ العميق، و هي التي كانت تكبُرُ فسائِلُها على أنغامِ نشيجِكِ شيئا فشيئا. ولا زالت تلك الزَّهراتُ تحثُّكِ على البكاء، لا الكفِّ عنه!
لقد أخبَرتُكِ يا نسمة؛ الدموع سقيا، الدُّموعُ روحٌ لو تعلمين.

و تقولين لي، أن الدمع يباغثكِ و أنتِ بينَ أهلِكِ و صحبِك، فتغطين نصف وجهِكِ بكَف وتمسحين دمعكِ بالكفِّ الأخرى على عجل، عسى أن لا يتنبه إليكِ أحد. ثم تقومين من مقامِكِ ذاك لتتخفَّي قبلَ أن تتفجَّر مدامعك، فلا يسألكِ أحد عن سببِ بكائك الذي أنتِ نفسكِ تجهلينه و تعجبينَ له، و لازلتِ تدورينَ في فلكِكِ و تسألين وما وجدتِ مجيبا وما وجدتِ جوابا. ثمَّ تكفكفين دمعكِ بوجل و ترجعينَ لمجلِسِكِ الأوَّل ـ بابتسامة كأنه ليس بكِ شيءـ حتى لا يتساءل أحد عن تأخرك، و تظنِّين أنك قد أخفيتِ الدمع عنهم و لن يعلم بكِ أحد. و نسيتِ أو تناسيتِ أنَّ أثرَ البكاء يبقى و لا يخفى! و للبكاء نُورٌ في الوجه و للبكاء هالة يا نسمة. و لا بدَّ لأهدابك أن تبقى مبتلَّة كأنَّها أوراقٌ تحفظُ الندى.

و أبشري يا نَسمَة؛ البكاء جميل، جميلٌ جدا لأنه ريٌّ لبذور الدعوات، ثم سرعان ما تكبُرُ فسائلها و تنمو فتمتد أغصانها وتتكاثَفُ أوراقها و تتفتح أزهارها وتخرُجُ الثمار من أكمامِها. فيقرّ اللَّه عينَكِ بالثَّمرِ و أوانِ قطافه، حلالاً طيِّبَا مباركا فيه.
و أخبرك أمرا آخر يا نسمَة، إنَّ البكاء الذي لا يُبكَى و يظلُّ حبيسا في الداخل، يظهر في عينِ البَكَّاء، قد لا يظهَرُ كدمعة و لكنه يظهر كلمعَةِ عين، و ما تلك اللمعة إلا انعكاس لماء النبع الذي تتفجر منه دموعهُ الولهى.

و العجَبُ يا نسمة، أنَّ الذي يُبكِي ليسَ الألم وحده، بل الامتلاء هو الذي يُبكي، ثقلُ المعاني التي لا يتَّسعُ لها صدرك و يضيقُ بها، كيف ما كانت هذه المعاني، على اختلاف امتداداتها و أشكالها تُبكي! و ابتلاؤك أنَّكِ تَبكينَ كلَّ شيء يا نسمَة، أتصبرين ؟!

و حتى لا أنسى، ما إن كنتُ قَد أنهيتُ قراءةَ رسالتِكِ تلك إلا وقد وجدتُني قد ارتويت من نهرِ أدمعك و قد كنت في بدايتها عطشى. فابكي وابتسمِي واسقنا وقرِّي عينا.

عزيزتك طِيبَة.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة