مذكرات نسوية تائبة (4) وراء النظارة السوداء…شيءٍ غريب ينتظرني.
لم تكن علاقتي بالحجاب قائمة على الكراهية فقط، بل على الخوف أيضًا! فعندما تعرضتُ للشحن من “نسويات المجموعة”، استقرّت بداخلي أفكارٌ مفادها أن الحجاب إهانة للمرأة ولقيمتها، وأن المحجبة تعبد المجتمع، وتسير وِفق ما يمليه الناس.
أصبحتُ أخاف من مشاعر الاضطراب والضيق التي تهاجمني عند ارتدائه…
تلك المشاعر التي لم تكن بداخلي قبل انضمامي لتلك المجموعة.
تناقشتُ مع أهلي مِرارًا، وأكدتُ لهم أنني لا أريده في حياتي، وهم يصرّون على أنني لن أخرج بدونه.
اشتدّ الصراع داخلي، وشعرت أنني أحارب وحدي أمام الجميع، أخشى أن أفقد نفسي تحت وطأة ضغط أهلي عندها اتخذت قراري: أن أحبس نفسي في المنزل.
تماماً كما قرأتم!
مرت الشهور وأنا حبيسة البيت؛ لا شمس، ولا مدرسة.
تأتي فترة الامتحانات ولا أذهب، وأظل في البيت وحالة الشحن مستمرة يوميًا.
يمر عامي الدراسي الأول من مرحلة الثانوية وأرسب؛ لأن مشاعري وأفكاري قد سُمِّمتا، فضللتُ الطريق.
كنتُ أشعر قليلًا أن أهلي على حق، لكنني تجاهلتُ ذلك الشعور تمامًا، وكان من المفترض أن أعيد التفكير؛ خاصةً وأن كل من حولي في الواقع كان ضد أفكاري، سواء أهلي أو الأخصائيات الاجتماعيات بالمدرسة.
حتى إن طالبةً في مثل عمري كانت تبكي داخل غرفة الأخصائيات بسبب مشكلتها، لكنها نسيت ما بها وانشغلت بنصحي برفقٍ وصدق.
ما زلتُ أذكر نظرتها الحنونة المليئة بالخوف على ديني؛ لأدرك بعدها أن صِغر السن لا يعني بالضرورة طيش العقل، فهناك أعمار صغيرة بعقولٍ راجحة.
أثناء مكثي في المنزل، كنتُ أمسكُ بالهاتف وأجلس أمام الحاسوب لساعاتٍ طويلة يومياً، منعزلة.. أكتب بداخل المجموعة النسوية تفاصيل ما وصلتُ إليه مع أهلي؛ فكانت تنهالُ عليّ تعليقات تحُضُّ على الثبات والتمسك بقراري كي لا أندم، وكثيرًا ما أخبروني بأن النصرَ قادمٌ لا محالة، ولا يجب أن أتراجع عن رأيي وأرتدي الحجاب مجدداً؛ بعدما قطعتُ شوطاً لا بأس به من الانتظار!
أوهموني أنني بطلة في معركة ضد أهلي، فصاروا في عيني عراقيل تعيق تقدمي بعد أن كانوا مصدر حبٍّ وانتماء، ورأيت أفكارهم شيئًا عفا عليه الزمن.
أوهموني بأنني “شجاعة” لتحمُّلي ما يسمّونه “الضغط النفسي” الأسري والتمسك بقراري!
مشاعري تجاههم تغيرت من حبٍ إلى صراع.. ومن شعور بالأمان إلى تمسُّك بالمقاومة.. ومن “أهلي” إلى “أهل الجهل”.
هل سبق أن شعرت أن ما تراه عينك ليس الحقيقة؟
كنت أتمسّك بتلك النظارة السوداء، أرى بها العالم معتمًا، بينما يقنعونني أنني أرى النور؛ فأسير خلف العتمة مطمئنة.
مرّت الشهور وأنا أغرق أكثر، حتى خسرتُ عامي الدراسي دون أن أشعر، ومع بداية عامٍ جديد، هل كانت تلك بداية نجاتي، أم بداية سقوطٍ أعمق لم أتخيله؟










