الرد على الشبهات: زواج عائشة -رضي الله عنها- (٢)

|

ما فتئ الطاعنون في الإسلام يتناولون سيرة سيد الخلق محمد ﷺ بجهلٍ أو حقد، فيستخرجون منها ما يُوهِمُ العامة شبهة، وشبهة زواج النبي ﷺ بأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- من أكثر ما تكرره الألسنة المغرضة وتروّجه المنابر الحاقدة: ، في محاولة لاتهامه بما لا يليق بمقامه الشريف، أو تصويره بصورة تخالف الواقع والتاريخ والسياق الزماني والثقافي.

وإنَّ الإنصاف يقتضي الوقوف على الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تُشَوَّه. فزواج النبي ﷺ بأُمِّنا عائشة لم يكن شذوذًا عن أعراف عصره، ولا خروجًا عن الفطرة، بل كان زواجًا مشرّفًا طاهرًا، اختاره الله لحكمة، وجاء في سياق تشريعي وتربوي بديع، حمل في طياته من الفوائد والدروس ما يجعل الطعن فيه طعنًا في حكمة الله، قبل أن يكون طعنًا في رسوله ﷺ.

إنَّ بيان الحق في هذه القضية، والرد على الشبهات المثارة حولها، واجب ديني وعقلي وأخلاقي، لا من باب الدفاع عن النبي فحسب، بل من باب إظهار نور الرسالة، وكشف زيف المدّعين، وإنصاف التاريخ الذي أرادوا أن يطمسوه بسوء تأويلهم وغرضهم.

وقد كثر الحديث في هذا العصر عن زواج النبي ﷺ بأُمِّنا عائشة -رضي الله عنها- وهي صغيرة السن، وأُثيرت حوله الشبهات من بعض المغرضين أو الجاهلين بالسياقات الشرعية والتاريخية والثقافية. ومما يجب التنبيه إليه أن كثيرًا من هذه الشبهات ناتجة عن إسقاط معايير العصر الحديث على واقع تاريخي مختلف تمامًا في العادات والأعراف والنضج والمفاهيم الاجتماعية.

وفي هذا المقال نستعرض الروايات الثابتة، والأدلة التاريخية، والسياق الثقافي، ونرد على الشبهات المثارة، مع تأصيل المسألة تأصيلًا علميًا رصينًا.

بيان الواقع التاريخي:

ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ تزوج السيدة عائشة -رضي الله عنها- وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين. وهذا الخبر ثابت وصحيح الإسناد عن عائشة -رضي الله عنها- نفسها، ولا مطعن في صحته من جهة النقل.

ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في فتح الباري: (وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج عائشة وهي بنت ست، وبنى بها وهي بنت تسع، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأحاديث) [فتح الباري، ج7، ص204].

النووي (ت 676هـ): (اتفق العلماء على أنه -صلى الله عليه وسلم- عقد على عائشة بنت ستّ، ودخل بها بنت تسع سنين، وكانت بكرًا) [شرح مسلم، 9/206].

السياق الزمني والثقافي:

في تلك الحِقبة من الزمن، كان من الطبيعي أن تُزوّج الفتاة في سن صغيرة إذا بلغت وأصبحت مؤهلة للزواج.

ابن كثير (ت 774هـ) يقول في البداية والنهاية: (وكان من عادة العرب تزويج الصغار، وكان ذلك جارياً عندهم، ولم يُنكر أحدٌ ذلك، لا من الجاهلية ولا من الإسلام) [البداية والنهاية، ج3، ص161].

العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت 1393هـ) في أضواء البيان: (الذين ينكرون زواج عائشة في هذه السن لا يعرفون طبيعة المجتمع العربي في الجزيرة، ولا يميزون بين عصرنا الحالي وذاك الزمان، فقد كانت الفتاة تنضج بسرعة في ذلك المناخ…)، البلوغ في المجتمعات الحارة -كالحجاز- كان يحصل في سن أبكر مما هو شائع اليوم، وكانت الفتاة تُعد راشدة بمجرد البلوغ، جسديًا ونفسيًا.

زواج النبي ﷺ بعائشة لم يكن شهوة:

النبي ﷺ كان في الخمسين من عمره حين تزوج عائشة، وكان قبلها متزوجًا من خديجة -رضي الله عنها- فقط، ولم يتزوج عليها طوال حياتها. فلو كان هدفه الشهوة، لما انتظر هذا السن، ولما تزوج امرأة أكبر منه (خديجة)، ولا أرامل وكبيرات السن بعد خديجة.

زواجه بعائشة كان بأمر من الله، وقد رآها في المنام، كما جاء في الحديث: «أُريتُكِ في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتكَ…» (رواه البخاري).

حال أُمّنا عائشة في الزواج وبعده:

لم يُنقَل عن عائشة -رضي الله عنها- أنها اشتكت من صغر سنها، بل كانت من أحب نساء النبي ﷺ إليه، وكانت عالمة وفقيهة، تنقل عن النبي ﷺ مئات الأحاديث.

القاضي عياض (ت 544هـ) قال: (وفي تزويجه بعائشة -رضي الله عنها- وهي صغيرة حكمة، وهي إعدادها لتكون من أكثر نسائه رواية، فقد عاشت بعده خمسين سنة تروي عنه العلم) [الشفا بتعريف حقوق المصطفى].

ابن القيم (ت 751هـ) في زاد المعاد: (وكانت من أفقه نسائه وأعلمهن، وكان الناس يسألونها عن أمور الدين… وقد أعدها الله لهذا الدور) [زاد المعاد، ج1، ص105].

معايير النضج تختلف باختلاف الزمان والمكان:

النضج ليس مرتبطًا فقط بالعمر الرقمي، بل بالعقل والجسد والبيئة. في العصور السابقة، كانت الفتاة تتحمل المسؤولية، وتُربّي وتدير شؤون البيت وهي في سن صغيرة، بما يناسب ثقافة مجتمعها.

الزواج لا يُقاس بالعاطفة فقط، بل بالمصلحة والموافقة:

زواج عائشة -رضي الله عنها- تم بموافقة والدها أبي بكر -رضي الله عنه-، أحد عقلاء الصحابة، وبقبولها هي، ولم يكن فيه أي إكراه أو استغلال. لم يكن زواجًا سريًا أو موضع استنكار في مجتمعه، بل تم على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يُنكر أحد منهم ذلك.

أدلة تاريخية تعارض الرواية المشهورة:

هناك روايات تفيد أن أسماء بنت أبي بكر كانت تكبر عائشة بـ10 سنوات، وتوفيت أسماء عن عمر 100 سنة سنة 73 هـ، مما يعني أن عائشة ولدت قبل البعثة بـ10 سنوات، أي كان عمرها عند الزواج 18 سنة تقريبًا.

عائشة كانت في الإسلام في وقت مبكر جدًا، وكانت من بين من وعى الأحداث الكبرى في مكة، وهذا لا يتناسب مع كونها طفلة في ذلك الوقت.

يُذكر أن هشام بن عروة [وهو الراوي عن أبيه عن عائشة] ثقة، لكن بعض النقاد أشاروا إلى أن رواياته التي جاءت بعد انتقاله للعراق فيها نكارة مقارنة برواياته في المدينة.

إن الرواية المشهورة حول سن عائشة عند الزواج قابلة للنقاش، وهناك روايات تاريخية وأدلة منطقية تشير إلى أنها ربما كانت في عمر أكبر. (وحتى لو صحت رواية البخاري، فإنها لا تمثل طعنًا في خلق النبي ﷺ؛ لأن الزواج آنذاك كان يختلف تمامًا من حيث السن والمعايير، ولم يكن محل استنكار).

الرد على من يقيسون الحادثة بمعايير العصر الحديث:

الشيخ محمد الغزالي (ت 1996م): (الخطأ ليس في زواج عائشة، ولكن في من يقيس أعمار الفتيات في القرن السابع الميلادي بأعمارهن في القرن الحادي والعشرين!)[فقه السيرة].

الشيخ ابن باز: (هذا الزواج، شرعه الله لحكمة عظيمة، وليس في ذلك شيء من العيب، ومن يطعن فيه فهو يطعن في الشرع، ويقع في كبيرة من الكبائر).

وهنا نتحدث عن الزواج من الصغيرات في كتب أهل الكتاب أو الحضارات الأخرى، فمن غير المنطق والعقل أن يقاس زواج كان قبل ١٤٠٠ سنة بزواج اليوم! ناهيك أن اليوم أصلًا في أغلب دول الغرب ذات النظام الحداثي تسمح بزنا الصغيرات إذا كنّ راضيات، ويمنع الزواج إلا بعد ١٨ سنة!

الرد على النصارى والمتأثرين بالغرب:

  • في الإنجيل: الإنجيل يقول بأن مريم العذراء تزوجت من يوسف النجار وهي في عمر (12) عامًا في حين كان عمر يوسف النجار (90) عامًا؟! لقد كان الفرق بين عمر يوسف النجار ومريم أكثر من (78) عامًا!
    ولم تكن قضية مريم وحدها تُشجّع على زواج الصغيرات، فهذا (آحاز) تزوج وهو ابن (10) سنين، وأنجب ابنه (حزقيا) وهو بعمر (11) سنة. وكانت زوجته أصغر منه بسنة أي تسع سنوات!

ومنها (التلمود)، حيث يقول الراباي يوسف: (بنت ثلاث سنوات ويوم واحد، تُزوّج وتُجامع). ثم يأتي الراباي شمعون بن يوحاي فيقول: (دون سن الثلاث سنوات ويوم واحد حلال للكاهن، كل طفلة لم تعرف مضاجعة رجل)!

  • القانون الإنجليزي والكنيسة الكاثوليكية: حتى عام 1929، كان القانون الإنجليزي يسمح بزواج الفتيات من عمر 12 سنة والفتيان من 14 سنة، بناءً على قانون الكنيسة الكاثوليكية والقانون العام.
  • Age of Consent Laws:
    توضح أن العمر الأدنى للزواج كان 12 للبنات و 14 للأولاد بحسب القانون العام حتى القرن العشرين.
  • أشهر التغيرات القانونية:
    1875: رفع سن الإيذاء الجنسي للبنات إلى 13 سنة.
    1885: أصبح سن الإيذاء الجنسي 16 سنة للبنات.
    1929: أصبح السن الأدنى للزواج 16 سنة لكل من الذكور والإناث في إنجلترا وويلز.
    1970–1987: رفع سن الزواج دون موافقة الأهل إلى 18 سنة.
  • أوروبا القارية والقانون الكنسي الكاثوليكي:
  • من القرن الرابع حتى عام 1971 كان السن الأدنى للزواج 12 للبنات و 14 للأولاد في القانون الكنسي.
  • وثّقدت مصدرًا أن “عمر أول مفهوم للزوج يتم من 7 سنوات كحد أدنى للعقد”، وجواز زواج صغار في حالة تعذر الإلغاء قبل البلوغ أو بعد الإتمام.
  • وثّقت حالات نادرة لأطفال في عمر 2–3 سنوات في سجلات الكنيسة.
  • أرقام تاريخية مقارنة: الفترة سن الزواج للبنات سن الزواج للأولاد.
  • حتى القرن العشرين (جماعة الكنيسة/القانون الإنجليزي) 12 سنة 14 سنة.
  • بعد 1875 (القانون الإنجليزي) 13 سنة (سن الإيذاء الجنسي للبنات).
  • بعد 1885–1929 16 سنة.
  • بعد 1970–1987 16–18 سنة.
  • أمثلة تاريخية على زواج صغار من النبلاء (بسجلات موثّقة): أشارت دراسات وتاريخ أوروبا الوسطى والعصور الوسطى إلى حالات نادرة منها:
  • يزيد عددهن قلة، وليس عاديات: من 1619 إلى 1660 في كان terbury سجّل 1,000 عقد زواج، تبيّن أن معظم الفتيات كنّ في أواخر مراهقتهن أو ما فوق (البنات من 13 حتى 17 لم يكن الوضع شائعًا).
  • آلاف من حالات النبلاء رُوي فيها تزويج قبل البلوغ، لكن الكاثوليكية الكنسيّة كانت تعتبر الزواج قائمًا عند العقد، مع تأجيل الإتمام حتى البلوغ.
  • قائمة من reddit تذكر أميرًا تزوّج عند عمر 6–7 سنوات ضمن النبلاء.

وبذلك، فالقوانين الأوروبية والقانون الإنجليزي سمحت بسن أدنى 12 سنة للفتيات حتى أوائل القرن العشرين.
التعديلات القانونية التي رفعت سن الزواج إلى 16 أو 18 سنة حدثت قبل أقل من 100 سنة، وذلك ضمن تغير اجتماعي وقوة حقوقية.

الخاتمة:

الحديث عن زواج النبي ﷺ بعائشة -رضي الله عنها- بعيد كل البعد عن الشبهة أو الطعن، إذا ما نُظر إليه في سياقه الزمني، والثقافي، والديني. فليس في زواجه منها أي وجه للظلم أو الانحراف، بل هو زواج شرعي، توافرت فيه أركان الرضا والمصلحة، وتم في أفضل أجيال الأمة وأعلمها، ولم يُثر أي اعتراض في زمنه.

وإنما تثار الشبهة اليوم بسبب الجهل أو الإسقاط الخاطئ للواقع المعاصر على الماضي، والشهداء للدين. ورضى الله عن أم المؤمنين عائشة، ولعن الله من طعن فيها أو في عرضها.

وصلى الله وبارك عل نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة