نظرتُ إلى السّماءِ منذ قليل، فحانت منِّي التِفاتةٌ إلى بعضِ الغُيوم، وكأنّها تُلَوِّحُ لي، وبالفعل استجبتُ لها وأعطيتُها جُلَّ تركيزي، حتى أرسلت لي الشّمسُ ضَوءَها، وقد تفاجأتُ بوجودِها، تُخبِرُني أنها نور من أنوار السماء البهيّة، نعم فطِنتُ لرسالتِها.
أخذ فكري يَصولُ ويَجول، وتتابعت به الأسئلة: الشّمسُ والغُيومُ اجتمعا في سماءٍ واحدة، والأعجبُ من ذلك أنّهما في الوقتِ والزّمانِ ذاته! أليس من المعروف أنّ الغُيومَ تَحجُبُ ضياءَ الشّمس؟ وأنّ الشّمسَ قد تَقضي على وجودِ الغُيومِ في صفحةِ السّماء ما إنْ تخرُج من مخدَعِها؟
إذًا، كيف حدث ذلك؟
وهنا كان دورُ التّأمُّلَ والتّدقيق لعينيّ، فوجدتُ أنّ الغُيومَ نعم موجودة، ولكنّها ليست كثيرة، بل خافتةٌ وباهتة. فأعطيتُ كلّ نظري وتأمُّلي لقرص الشّمس المنير…، وقد بدتْ لي وكأنّها تُحارِبُ من أجلِ ظُهورِها، وإثباتِ وجودِها وثباتِها، فتارةً وجدتُ حرارتها تخفُتُ، وتارةً يطغى لهيبها ونورها… رُبّما هي في صِراعٍ مع الغُيوم لتكونَ لها الغَلَبةُ في الظّهور، فقلتُ: سبحان ربّي!
فكم منّا من هو مثلُ الشّمس، يُصارِعُ غُيومَ هُمومِه، فتارةً يهزِمُها ويُظهِرُ لنا وجهَهُ مُسترخيًا، وتارةً مُنقبِضًا، تبدو عليه مَسحةً من الحُزنِ وكأنّه في صِراع.
وكم منّا من هو مثل الشّمس، يُحارِبُ غُيومَ خيباتِه، فتارةً تراهُ شُعلةً من يقينٍ وثقةٍ تَبلُغُ عنان السّماء، وتارةً يظهرُ الإحباطُ جليًّا على خلجاتِ نفسِه، وقسماتِ وجهِه، وأفعالِه، وكلماتِه.
وكم منّا من هو مثلُ الشّمس، يُصارِعُ غُيومَ تَخبُّطاتِه وتِيهِه، فتارةً يكونُ ذهنُهُ صافِيًا، وفكرُهُ رائقًا، وتارةً تجِدهُ هائمًا على وجهِه، يطغى الرُّكود على أركانِه.
وكم منّا مَن هو مثلُ الشّمس، تُحاصِرُهُ غُيومُ هواجسه، فتارةً نجِدهُ مُقِرًّا بالواقع، لا يرى فيه سوى الحقيقة، وتارةً مُتّخِذًا للوهمِ رفيقًا، وللخيالِ صاحبًا.
وكم منّا من هو مثلُ الشّمس، يُصارِعُ غُيومَ الباطِلِ ألّا تظهر على صفحةِ سمائِه، وأنْ تكون الغلبة لشمسِ الحقّ، فتارة ترى سماءَهُ ساطعةً بشمسِ الحقّ، مُرسِلةً ضوءَها على الخليقة، وتارةً تخفُتُ شمسُ سمائِه، لأنّ غُيوم الباطلِ تسعى للظّهور، وإقصاءِ شمسِ الحقِّ خلفَها.
ويبقى هذا الصّراعُ باقيًا، خشيةَ أن تُمطِرَ غُيومُ سمائِنا بغيثٍ لا نُودُّهُ، ضارٍّ غيرَ نافِع.
فسبحان ربّي، رُبّما هذه سُنّتُهُ في جميعِ المخلوقات.










