أيقونات البطولات المزيفة… رأيتُ صورةً متداولة في صفحةٍ غربية، لفتاة أنجبت في الرابعة عشرة من عمرها، وقررت تربية طفلتها. كانت الصفحة تمجّد فعلها، وتصنع منها أيقونة بطولة، ومثالًا يُحتذى.
وقفتُ طويلًا عند هذا المشهد، لا لأن الأمومة جريمة؛ بل لأن المنطق هنا كان أعوجَ حدَّ الدهشة. يحتفون بأمٍّ عزباء في الرابعة عشرة، ثم هم أنفسهم يملؤون الدنيا عويلًا لو كانت فتاة مسلمة في العمر ذاته، تزوجت شابًّا لا يكبرها إلا قليلًا، في مقتبل عمره أو على أعتاب العشرين، برضا الطرفين وبإدراكٍ واعٍ لمعنى الزواج، دون إكراهٍ أو ابتزاز.
وهنا لا أدعو إلى تعجيل الزواج ولا إلى تأجيله؛ فلكل إنسان حاله، ولكل روح ظرفها، لكنني أحاول أن أفهم منطقهم، لا أكثر.
لو كانت تلك الفتاة مسلمة، تزوجت بعقدٍ شرعي، وبرضا وليّ، وبموافقتها، وفي ستر، ثم أنجبت، لقيل:
“زُوِّجت طفلة!”
“سُرقت حياتها!”
“قُهِرت!”
مع أن تلك الفتاة الأجنبية التي يحتفون بها ستحمل عبء طفلتها وحدها، بدون زوج، وبدون نفقة، وبدون سكن، وبدون ظهرٍ تستند إليه، ولا استقرارٍ يحميها من عثرات الطريق.
بينما المسلمة هنا، فعقدٌ، ومسؤولية، ونسبٌ معلوم، وبيت، وأب حاضر.
- كأن الخلاصة الفجّة، غير المعلنة، تقول:
مسموح لـ “القُصَّر” -حسب تعبيرهم المطّاط أصلًا- أن يدخلوا في علاقات جسدية، وأن يحملوا، وأن يلدوا، وأن يربّوا وحدهم، وأن تُستَخدم أجسادهم في سوق المتعة بلا قيد.
لكن غير مسموح أن تُعقَد لهم مسؤولية باسم الزواج، فيُلزَم الرجل بنفقةٍ وسكنٍ ونسبٍ وحماية. وتُقام أسرة تعطي للعلاقة معنى، وامتدادًا، وجذرًا في الأرض.
لماذا يقبلون بعلاقة فتاة في التاسعة عشرة برجل في الستين، ويرفضون فتاة في السادسة عشرة مع شاب في العشرين؟ لماذا هذا العداء الخفي للزواج؟
لأن الزواج يقول ما لا يريدون سماعه، هذا التعلّق مشروع. هذه العلاقة لها اسم. هذا الجسد ليس سائبًا. هذا الحمل له أبٌ معلوم ومسؤول. هذه العلاقة سكينة، ومودة، واستقرار.
وهذا كلّه يهدد فلسفة السوق، سوق الجسد، سوق اللذة، سوق العلاقات السائبة.
الزواج يثبّت الإنسان في مكانٍ واحد. والمنظومة الحديثة تريد إنسانًا متخبطًا، متنقلًا، قابلًا لإعادة التدوير العاطفي في كل محطة.
- هناك: فتاة قاصر تحمل بلا أب رسمي = بطلة.
- فتاة قاصر تتزوج بعقد وموافقة = ضحية.
لماذا؟
لأن الأولى كسرت “المؤسسة”، والثانية دخلت تحت مظلتها.
وسيظل هذا العالم يصفّق للنتائج الكارثية، ما دامت تخدم فكرةً واحدة:
أن يعيش الإنسان بلا روابط أقوى من رغبته الأنانية بإشباع ملذاته.
وما أقسى عالمًا يخاف من الزواج، ولا يخاف من طفلٍ يولد بلا ظهر.










