الزواج في الإسلام: مسؤولية ووعي لا رقم أو حيض.

الزواج في الإسلام: مسؤولية ووعي لا رقم أو حيض. تعقيبًا على ما سبق، يطفو على السطح اتجاهٌ آخر يزعم أن الإسلام شرع زواج الصغيرات، بينما الحقيقة أن الإسلام لم يضع سنًّا جامدًا للزواج؛ لأنه رفض أن يُختزل الإنسان في رقمٍ على بطاقة.

جعل السنّ مرنًا، نعم، لكن لا عبثيًّا، بل ليتسع لاختلاف البيئات والأزمان والطبائع. ففتيات المدن لسن كفتيات القرى، ومن تنشأ في الصحارى ليست كمن تعيش على ضفاف الأنهار. والمناخ، والبيئة، والغذاء، وطبيعة الحياة، كلها تصنع فروقًا حقيقية في النضج.

أما الدعوة إلى تزويج الفتيات وهن في التاسعة لمجرّد الحيض، أو تزويج الطفلة “السمينة” بحجة أن بنيتها أقوى، فليست فقهًا، بل ضربًا من الجنون.

وإن كنتُ ضد وضع حدٍّ عمريٍّ جامد يُفرض على الجميع، فهذا لا يعني أبدًا فتح الباب لتزويج من لم تنضج عقلًا ولا جسدًا. فالفهم المغلوط للشريعة هو الذي أنتج كوارث مروّعة. كحادثة زواج رجل في ثلاثينياته بطفلتين في السابعة والتاسعة في اليوم نفسه، فماتت الأولى في ليلتها، وأصيبت الثانية بنزيفٍ حاد وتهتكٍ داخلي. فهل هذا ما أراده الله؟ وهل هذا مما جاءت به الشريعة؟ حاشا لله.

الإسلام جاء لحفظ الدين، والنفس، والعقل، والجسد، والعِرض. وما يحدث في مثل هذه الجرائم اعتداءٌ صارخ على كل ذلك. فالحل ليس في نهج الغرب بإباحة العلاقات وتحريم الزواج بين صغار ناضجين، ولا في تزويج طفلات لا يفهمن شيئًا برجال بالغين أشداء.

الفجوة العمرية لا بد أن تكون معقولة، وسنّ الزواج لا بد أن يكون معقولًا، والنضج لا بد أن يكون شاملًا: جسديًّا، وعقليًّا، ونفسيًّا؛ لأن هذه العلاقة مقدسة، غايتها السكن والرحمة وبناء الأسرة، لا إزهاق الأرواح وكسر الأنفس.

الإسلام لم يجعل الزواج رقمًا في البطاقة، بل مسؤولية في الوعي. هو دين المقاصد لا الأعمار.

وأن يُقال: “هذه حاضت إذًا تُزوَّج”، أو “هذه سمينة جسدها أقوى”؛ فهذا تشبيهٌ للمرأة بالبهيمة، لا فقه فيه، ولا رحمة، ولا عقل.

الإسلام لم يقل يومًا: “زوّجوا الطفلة متى حاضت”، بل قال: لا زواج إلا بقدرة، ولا قدرة إلا ببلوغٍ عقليٍّ ونفسيٍّ وجسديٍّ معًا.

البلوغ في الشريعة ليس مجرد حيّز جسدي، بل أهلية لتحمّل قدرة على المعاشرة بلا هلاك، وقدرة على الحمل بلا تدمير، وقدرة على الفَهم بلا اغتصاب للوعي.

فلا يصح أن نقدّس “السنّ” كما يفعل الغرب، ولا أن نقدّس “الحيض” كما يفعل الجهّال.

شُرع الزواج لتمام السكن والرحمة، لا لاختبار قدرات الأجساد الصغيرة، ولا لإشباع رغبات منحرفة متخفية بثوب “السنّة”.

حين جعل الفقهاء البلوغ علامة على التكليف، لم يكونوا يفتحون باب الزواج من الطفلات؛ بل يحدّدون بداية التكليف الشرعي. لكن الناس خلطوا بين البلوغ الجسدي، والنضج العقلي، والنضج النفسي، وهي أمور لا تتزامن بالضرورة.

ولهذا جعلت الشريعة السنّ مرنًا، لا لتبرير الزواج المبكّر، بل لتترك للعقلاء تقدير النضج الحقيقي في كل زمن وبيئة. وجاء الأصل العظيم: “لا ضرر ولا ضرار”. فلا زواج يقوم على ضرر جسدي أو نفسي.

والجرائم التي يُسمّونها زواجًا، ليست من الدين في شيء؛ إنما هي عدوان على النفس، والجسد، والعقل، والعِرض، وكل واحدة منها من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها.

الإسلام الذي أمر بالرفق بالحيوان حتى لا يُحمَّل ما لا يطيق، أيُعقل أن يرضى بأن تُزفّ طفلة لا تفهم معنى القرار إلى رجل بالغ؟ أيعقل أن يُهدر دمها باسم “العُرف”؟

الغرب حلّ الإشكال بالاتجاه إلى الضدّ، فأباح العلاقات دون زواج، ومنع الزواج حتى بين الناضجين بحجة السنّ القانونية؛ فأنشأ مجتمعًا مثقلًا بالأمومة المكسورة، والعلاقات العابرة، والأطفال مجهولي النسب.

والجهلاء في المقابل فتحوا الباب لتزويج الطفلات. وكلا الفريقين خان الإنسان في جوهره.

الحقّ الوسط ليس رقمًا جامدًا، ولا فوضى للأهواء، بل ضابطٌ يراعي النضج الجسدي والعقلي، والفهم المتبادل، والقدرة على تحمّل أعباء الزواج.

والزواج في الإسلام ميثاقٌ غليظ، كما وصفه الله جلّ وعلا، والميثاق الغليظ ليس لحظة عقد، بل عهد حياة. والعهد لا يُؤخذ من طفلة لا تعرف معنى القرار، ولا من رجل يرى الزواج مجرّد تفريغ شهوة.

الزواج في الإسلام عبادة لا صفقة، ومسؤولية لا تجربة، وسكن ورحمة لا اختبار قسوة.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة