في كثيرٍ من النقاشات، يُلقى السؤال كحجرٍ ساخر: “هل هذا هو دين السلام؟”
وأقول بصدق: أنا لا ألوم السائل كثيرًا بقدر ما ألوم المسلمين الذين صدّروا هذا الوصف المبتور، ثم ارتبكوا حين اصطدم بالواقع.
- لا تفتح فمك دهشة من قولي: إن الإسلام ليس “دين سلام بالمعنى الساذج الذي يُراد له”؛ هو دين الحق، والحق -يا صاحبي- لا يعيش لأنه لطيف فقط، بل لأنه محميّ. ولو كان الحق يُترك ليحيا بقيمه المجردة، لما قُتل هابيل على يد قابيل وهو على الحق.
- أراك الآن تُحدّق بي بعينين متصارعتين: “هل تقولين إن ديننا يدعو للغزو وقطع الرقاب والنهب؟”
- وأجيبك بهدوء ساخر: بل أقول إن القوة سُنّة الحياة كلها، لا استثناء فيها لأحد. هل رأيت إمبراطورية واحدة في التاريخ قامت بالزهور والأغاني؟ كل إمبراطورية قامت بسيف، الفرق فقط في ماذا تفعل بعد أن تنتصر.
أما “قطع الرقاب” -كما تحبون هذه العبارة المسرحية- فكان في ساحات القتال، بين المقاتلين. وأما الغنائم، فلا تُمثّل عليّ دور المصدوم، أليست الحروب الحديثة تُدار من خلف الشاشات ثم تُنهب بعدها الثروات وتُسحق الشعوب؟ أليست الدول التي تتشدق اليوم بـ”التحضّر” تسرق النفط، وتجوّع الناس، وتفرض العقوبات، ثم تُسمي ذلك “نظامًا دوليًّا”؟
ثم دعنا نرجع خطوة إلى الوراء، البلاد التي دخلها الإسلام -أو” غزاها” إن أردت اللفظ المحبب لقلبك- هل هُدمت فيها الكنائس؟ هل أُبيد أهلها؟ هل اُحرق أطفالها؟ هل اغتُصِبَتْ نساؤها؟ هل ذُبحت دوابها كما تفعل الجيوش الحديثة؟
بل على العكس، كان أول أمرٍ قبل كل معركة: لا تقتلوا وليدًا، ولا امرأة، ولا شيخًا، ولا راهبًا، ولا تقطعوا شجرًا. الإسلام دين حزمٍ مع رحمة، قوةٍ بلا وحشية، سطوةٍ بلا فساد.
- أراك تكاد تهتف الآن: “وهل خيّر الإسلام الشعوب بين الجزية أو السيف؟”
- اهدأ قليلًا… الصلبيون أحرقوا اليهود والمسلمين في محاكم التفتيش لأنهم لم يتنصّروا.
أما الإسلام فترك لهم خيارًا واضحًا، إمّا أن يبقوا على دينهم مقابل جزية تُصرف في الحماية وعمران البلاد، وإمّا أن يدخلوا الإسلام، فيصبح عليهم ما على المسلمين من زكاة وجهاد وأحكام صارمة أيضًا.
وبالمناسبة -كي لا تُصاب بالصدمة- الولايات المتحدة التي تتغنّى بها، تأخذ الضرائب على كل نفس تتحرك. والأمم المتحدة نفسها تُقرّ اليوم بشرعية حصار السفن وقطع الإمدادات عن العدو في الحروب، وتسمي موت الأبرياء “أضرار جانبية”.
لكن حين يفعلها القوي الحديث تُسمّى “إجراءات ضرورية”، وحين تُذكر في سياق الإسلام تُسمّى”وحشية”.
نعم، الإسلام صريح، والجهاد من صميمه. لكن الفارق كل الفارق فيما يحدث بعد سقوط المدن بين أيدينا، وماذا يحدث بين أيديهم.
نحن حكمنا الأرض يومًا بعدلٍ -حين كنّا مسلمين بحق- وهم يحكمونها اليوم بالنهب، والتجويع، وصناعة الخراب. وأعلم، نعم، أن انتهاكاتٍ وقعت باسمنا، لكنها لم تكن يومًا جوهر الإسلام، بل خيانة له.
فلا تُردد -رعاك الله- أن الإسلام “دين سلام”؛ لأنك عند أول جواب جاد ستعجز عن تفسير كيف استُعربت مصر والشام، وكيف سقط كسرى وقيصر، وكيف قامت الأندلس، وكيف وصلت جيوش الإسلام إلى قلب أوروبا. الإسلام لم ينتشر بالحمام البيض… بل بالسيف الذي كان يحمي العدل، وبالعدل الذي كان يفتح القلوب.










