الفاتحة

|

عندما عرفتُ لأول مرة أن الفاتحة شاملةٌ لمقاصد الدين كلِّه، وأن القرآن بيانٌ لكل ما ذُكر فيها وتفسيرٌ لمعانيها، أصابني الوجل والخشية.

قلتُ في نفسي: أقرأها في اليوم أكثر من سبع عشرة مرة، ولكن أين أنا من معايشتها واستشعار هذا الكنز الثمين؟ غفر الله لي.

نعم، هي مقدمة الكتاب، ولكن المقدمة -وهو مما لا شك فيه- لأي كتاب مهما بلغ جمالها ودقتها وشمولها، فلن تشمل إجمال كل ما سيُذكر فيه، ولكننا هنا نتحدث عن خير الكتب، كتاب الله، أي عن الإعجاز الإلهي.

فتدبرتُ الفاتحة كما لم أتدبرها من قبل، ودخلتُ عليها دخول الغريب الذي يعرف أنه سيقرأ عظيمًا.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾

  • هنا الدرس الأول: أن تتعلم ألّا تبدأ فعلَ شيءٍ إلا وقد قرنته بـ«بسم الله»؛ فكل ما لا يُبدأ فيه باسم الله أبتر كما جاء في الأثر. ومن جميل ما استنبطتُ أنك تستعين بالله هنا على أن تقرأ كل آية بعدها؛ أي أنك تقول: باسم الله، ثم تشرع في القراءة، فلولا معونة الله هذه ما شرعتَ في القراءة. تخيّل معي.

﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾

  • أقول هنا: يا رب، يا حبيبي، تقول: الرحمن الرحيم، ولم تعطف على الكريم أو العظيم مثلًا. يا رب، هذا تعريفك لنفسك في البداية، هذا الوصف الأمثل لرحمتك؛ سبقت غضبك، إي والله سبقت، فلولاها ما كنا، ولعُذِّبنا.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

  • الدرس الثاني: في خريطتك في هذه الدنيا هو توحيد الألوهية والربوبية، وأن تتعلم الحمد. نعم، أنعم الله عليك قبل الطلب وبعد الطلب، وأنعم عليك برحمته ودينه، كما أن أفضل الدعاء: الحمد لله. فلا تترك ذكر الله، وكما أن الله يحب الحمد.

﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

  • توحيد الأسماء والصفات، فتتعلم أن تُثني على الله وتسمو بذكره وثنائه، ثم إقرارك بالإيمان باليوم الآخر، وكأنك تقول بكل مشاعر الصدق واليقين: يا رب، أنت الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.

ولا أخفيكم سرًّا: إن إتيان ذكر يوم الحساب بعد اسمي الله «الرحمن الرحيم» -أي الرحمة الكاملة- وقع في نفسي وقعًا جميلًا يُبكي القلب ويُشجيه.

أغرف من بحر معانيها وأسرارها ما يدهشني، وما زال يدهشني؛ فكلما قلتُ: ارتويتُ، اكتشفتُ أنني ما شربتُ. هذه الآيات أقول: هي من آثار قوله: الرحمن الرحيم، أي من آثار رحمة الله.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

أوقن وأقرّ بأني الضعيف الذليل عبدك؛ أي أعبدك وحدك، أنت ربي، أعبدك بصلاتي وزكاتي وصومي وذكري وكل حياتي، ولن أستطيع أداء هذه العبادة إلا بعونك، فبك أستعين على نفسي والدنيا والشيطان وهواي، وكل ما يحول بيني وبين عبادتك، وبك أستعين في كل أموري، صغيرها وكبيرها، وقضاء حوائجي.

  • يقول الشيخ: “إن الدين كله مجموع في هذه الآية؛ فكل حياتك بنيتك عبادة، ولن تتم العبادة إلا بعون الله”. ثم من الجميل هنا أنك بعد طلبك الاستعانة تطلب الهداية، وكما يقول الشيخ: كأنك تقول لله: أعِنّي، فيجيبك: أُعينك على ماذا؟ فتأتي الإجابة:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

  • ماذا يريد الإنسان بعد أن هُدي إلى الصراط المستقيم؟ وليس أي صراط، بل ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي النبيين. وهنا أيضًا من آثار رحمة الله؛ فهو أنعم عليهم برحمته. ثم تقف؟ لا.

﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

أقول هنا سرًّا: فالله لم يجعلك تكتفي بطلب الصراط وبيان أهله، بل تتعوذ بالنفي بذكر النقيض، فكأنك تقول: أريد هذا الذي هو غير هذا وهذا. المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون النصارى.

تنتهي من قراءة الفاتحة، وما انتهت معانيها وكنوزها؛ فهي الكافية الشافية. تبدأ بالبسملة، فتعلم أن الباء هنا باء المصاحبة، فتعرف أنك تصحب الربَّ المربي، وليس أي رب، بل هو الرحمن الرحيم، فتطمئن بأن أول فكرة عنه هي الرحمة، فيستقر في قلبك عظيم فضله وحرصه، وتدعو أن تكون من أصحابها وأهلها.

ثم بعد ذلك تتعلم الحمد على كل ما سبق وكل ما هو آتٍ، بسببٍ أو دون سبب؛ لأنه أنعم عليك وما زال يُنعم، وأنت الآن غارق في نعمه، فتسمو بحمدك وتكثر من ذكرك.

تتعلم الإخلاص، وأن كل الخير يبدأ بطلب العون والافتقار. ثم بعد كل هذا تتعلم أن الدعاء دعاءُ ثناءٍ ومسألةٍ وإجابة، وأن السورة شملت كل هذا؛ فتتعلم كيف تدعو، وعِظَم من تدعو.

والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة