لماذا كانت خطيئة هت! ر الحقيقية هي ارتداد الاستعمار نحو الداخل؟

مرآة الإمبراطورية: لماذا كانت خطيئة هت! ر الحقيقية هي ارتداد الاستعمار نحو الداخل؟

لطالما تساءلتُ: لماذا ارتبط اسمُ هت! ر بالشرِّ المطلق، كأنَّ التاريخَ لم يأتِ بمن هو أسوأ منه؟ لماذا مجردُ كتابةِ اسمِه في مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ تعني حذفَ الحسابِ أو تقييدَهُ؟ لماذا يُعدُّ عدمُ كرهِهِ الشديدِ جريمةً أخلاقيةً لا تُغتفر؟

إن كانتِ الأسبابُ كامنةً في أيديولوجيةِ الن! زية (وهي التفوقُ العرقي)، فالدولُ الأوروبيةُ نفسها، في حروبِها واستعمارِها، حملت ذاتَ الأيديولوجية؛ فالرجلُ الأبيضُ كان دوماً فوقَ سكانِ أفريقيا، والشرق، والسكانِ الأصليين. هل لأنَّ هت! ر انتهجَ الإبادةَ الكاملة – بعيدًا عن الجدل حول مصداقية الهولوكوست –؟ لا أظنُّ للدولِ الأوروبيةِ أدنى حقٍ في الحديثِ عن الإبادة، وهي التي سعت لإبادةِ السكانِ الأصليين تماماً في الأمريكتين وأستراليا؛ تُقدرُ الأبحاثُ أنَّ عددَهم كان يتراوح بين ٥٠ إلى ١٠٠ مليون، وبعد الاستعمارِ أصبحوا ٥ إلى ١٠ ملايين، ما يعني إبادةَ ٩٠٪ بالقتلِ المباشر، والاستعباد، ونشرِ الأمراض، والتسميم، والتجويع، والتهجير. وأمريكا بضغطةِ زرٍ واحدةٍ فقط في الحربِ العالميةِ قتلت ٢٢٠,٠٠٠ إنسانٍ في هيروشيما وناغازاكي!

هل لأنَّ الن! زيةَ حوَّلتِ العنصريةَ إلى نظامِ دولةٍ رسميٍ؟ كان نظامُ أمريكا الرسميُّ قائماً على العنصريةِ ضدَّ السود، وكانت قوانينُ الدولةِ نفسها عنصريةً! وإن كان هت! ر قد سعى للتوسعِ ومدِّ النفوذ، فهذا بالضبطِ ما مارستهُ الدولُ الأوروبيةُ، وأمريكا، وروسيا ولا يزالون يمارسونه. هل كانت طرقُ هت! ر وحشيةً ومبتكرةً في القتل؟ دعونا نمرَّ سريعاً على وسائلِ قتلِ المقاومينَ أثناءَ الاستعمار: الخازوق، تقطيعُ الرؤوسِ وتعليقُها في الميادين، وعرضها في المتاحف، حصارُ الناسِ في الكهوفِ وخنقُهم بالدخان!

ما أحاولُ قولَهُ هو أنَّ هت! ر كان تجسيدًا تامًا للاستعمارِ الحديث في أبشعِ صورِهِ، والمتواصلِ إلى حدِّ اليوم. فالاستعمارُ الغربي، والأطماعُ الإمبراطوريةُ لروسيا وأمريكا، قامت كلُّها بلا استثناء على عقيدة “الرجلِ الأبيضِ والرسالةِ التمدينيةِ الحضارية”، والتي لم تكن في جوهرِها سوى قناعٍ مبطنٍ لعنصريةٍ فجَّةٍ ترى في شعوبِ أفريقيا وآسيا والشرقِ الأوسطِ بشرًا من درجةٍ ثانية.

السببُ الحقيقيُّ وراء الهالةِ الرهيبةِ المحيطةِ بهت! ر – مقارنةً بغيرِهِ من الجلادين – هو أنَّ هت! ر نقلَ أدواتِ الاستعمارِ والبطشِ من عمقِ أفريقيا وآسيا وطبَّقها داخلَ أوروبا وعلى شعوبٍ أوروبيةٍ بيضاء! عندما قتلت بريطانيا الملايين في الهند عبرَ المجاعاتِ المصطنعة، وعندما أبادت بلجيكا أكثرَ من ١٠ ملايين إنسانٍ في الكونغو، وعندما أدارت أمريكا مذابحَ السكانِ الأصليين وسوقَ العبيد؛ كان الغربُ يرى ذلك أمرًا طبيعيًا خارجَ حدودِه لأنَّ الضحايا ليسوا أوروبيين، ولا يملكونَ البشرةَ البيضاء.

جاء هت! ر بذات “الوحشيةِ الاستعماريةِ الاستيطانية”، وبنفسِ الفكرِ الإحلالي، وقررَ أن يطبِّقَهُ على جيرانِهِ الفرنسيين والبولنديين والروس واليهودِ الأوروبيين. لم تكن خطيئةُ هت! ر أنه استعمرَ، بل أنه استعمرَ الأبيضَ واستخدمَ آلةَ الإبادةِ الصناعيةَ داخلَ القارةِ العجوزِ نفسها.

أما عن حبِّ العربِ لهت! ر (نكايةً بمن لن أسمِّيهم)، فهي سذاجةٌ سياسيةٌ؛ فالحقيقةُ هي أنَّ هت! ر رأى أنَّ العرقَ الآريَّ هو الأسمى، ما يعني أنه كان سيعاملُ العربَ تماماً مثلما فعلت فرنسا وبريطانيا. لو أنَّ ألمانيا الن! زية انتصرت، لكان النفطُ العربي، والموقعُ الاستراتيجي، والخيراتُ قد جرى تأميمُها بالحديدِ والنار لصالحِ “الر! يخ الثالث” ورفاهيةِ المواطنِ الألماني؛ ولكان العربيُّ في بلدِهِ يُعاملُ كمواطنٍ من الدرجةِ الثالثةِ أو الرابعة، يعملُ في خدمةِ السيّدِ الآري الجديد. وبما أنَّ ألمانيا هُزمت، فقد حدثَ هذا على يدِ المنتصرين مثل فرنسا وبريطانيا. الاستعمارُ لا قلبَ له، والجلادُ لا يغيِّرُ طبيعتَهُ لأنه غيَّرَ جنسيتَه.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة